Saturday, December 26, 2009

والله العظيم، صداع نصفى بس

المفروض تروح للدكتور، انت بتنصحنا كلنا وما بتعملش اللى بتنصح بيه! ه
تجمعت اصواتهم فى وجهى فلم استطع التبرير. كنت اُعانى من الصداع النصفى لليوم الرابع وقد باءت كل محاولات القضاء عليه بالفشل، من المسكنات وحتى العلاج وفق تلك النظرية العجيبة التى شرحها لى أحدهم قبل سنوات. قال لى أن هناك أسلوبا لعلاج الألم يقوم على إنشاء مصدر أخر لألم يكون أَخَفْ من الأول فيصرف الإحساس بالألم عن المصدر الأصلى. بالطبع لم أفهم ذلك ولم أحاول أن أجربه من قبل خشية أن انتهى بألمين يدفعانى للجنون أو لقتل من تسبب لى فى ذلك. ه


ولكننى تذكرت تلك النظرية عندما هاجمنى الصداع الرهيب. ورأيت أنه قد يفيد بعض الألم النفسى كمصدر ثانى، فتابعت تصريحات وتبريرات المسئولين المصريين. وحقيقة انصرف انتباهى قليلا عن الإحساس بالصداع، ولكننى أُصبت فى الوقت نفسه بتنميل فى النصف الأخر الذى تركه الصداع، ورعشة، وبشعور يشبه ذلك الذى وصفته ج. ك. رولينج فى هارى بوتر؛ ذلك الشعور الذى كان يواجه الشخصيات التى تقابل "الديمونتورات"--وهى تلك المخلوقات السحرية التى كانت تنشر اليأس فى النفوس عندما تظهر. ه
يخرب بيت النظريات اللى هاتخلينى أعالج الصداع النصفى واجيب لنفسى هلاوس و فصام..وإحتمال عسر هضم وحَوَل، ويمكن كمان تفكك أُسَرِى
ولكن فعلا..لماذا نؤجل الذهاب للطبيب (أحيانا حتى إلى أن يتم استدعاؤه غصباً عنا لإستصدار تصريح الدفن)؟! ه

أنا شخصيا لدىَّ أسبابى. كلما قررت الذهاب إليه هاجمتنى كل المخاوف السوداء وأكثر السيناريوهات تشاؤماً. أخشى أن أذهب إليه مشتكياً من الصداع مثلا فيصارحنى بضرورة استئصال الزائدة! كل الإحتمالات واردة عند هذا الرجل الكبير الهادىء الذى يعرف كل شىء. نعم، مازالت صورة الطبيب فى عقلى هى صورة ذلك الرجل الذى أذهب إليه وأنا فى أضعف وأسوأ حالاتى..هذا الرجل الذى لا يدِّعى عدم المعرفة أبدا، ولا يبدى الشك فى أى شىء. يكفيه بعض الفحص والفعص والقليل من الأسئلة فيعرف العلة ويصف الدواء. كم وددت أن اقضم أنفه الكبير كلما ذهبت إليه فى موسم نزلات البرد فيهاجم فمى بهذه الألة المعدنية التى تشبه الملعقة حتى يُفسح طريقا بين حلقى ولسانى ينظر فيه مسترشداً بذلك الكشاف الصغير الذى يوجهه إلى النفق الذى مَهَّدَه. يتطلب الأمر 3 وجبات بعد ذلك الفحص قبل أن يعود حلقى ولسانى إلى مكانهما فأستطيع أن أشتمه. ه


لماذا إذن لا أحب الذهاب للطبيب؟!!! ه


أول ما يواجهك عند الطبيب ذلك الرجل أو تلك المرأه المسئولة عن الحجز والتى تعمل بهذا الجرس المألوف المخيف الذى يفصل بين زيارات المرضى. (لماذا لا يغيرون ذلك الصوت الكئيب ويستبدلونه بنغمات "لايف"؟--ربما "بوس الواوا" تكون مناسبة لعيادة الطبيب، بالطبع بعد التطهير) ه

سوف تحجز ولكنك لن تدخل فى ميعادك ولا فى دورك. سيتأخر الطبيب. (كنت مرة عند طبيب وبعد إنتظاره لأكثر من ساعة وبعد فقدان الناس للأمل فى مجيئه، اتصلت به الممرضة واخبرتنا بأنه على وصول. وبعد دقائق، قالت الممرضة أن الطبيب جاء! لم أرى أحدا يدخل خلال تلك الدقائق! ولم يتعجب الناس! نظرت فلم أجد باباً أخر للعيادة! لم أهتم بعدها بإنتظار رؤية الطبيب وهو يدخل..هل تقدم الطب إلى هذا الحد؟!) ثم سيدخل مندوب المبيعات (الذى غالبا قد جاء مختبئا أسفل سيارة الطبيب) ثم بعض معارف الطبيب ثم أصحاب الكشف "المستعجل" (يكون غالبا سبب استعجالهم انهم يملكون فرق الفلوس بين العادى والمستعجل) ثم بعض محاسيب المسئول عن الحجز. ولن تستطيع الشجار معه إذ هو مُدَرَّب على عدم الرد، قد تعوَّد على التعامل مع الناس يوميا فى أسوأ أمزجتهم ولن يزعجه منك شىء دون الضرب. وفى أغلب الأحيان ستضطر للإنتظار ولن تلجأ لخيار الضرب الذى لن تقدر عليه أصلاً وذلك لسبب وجيه وهو الذى أتى بك إلى عيادة طبيب. ثم بالمنطق، لو تدخَّل الطبيب (الذى لن تشعر به وهو يأتى بسبب تقدم الطب أيضا) سينتهى بك الحال فى أحسن الأحوال مغشياً عليك امام باب العيادة..وعندما تفيق، ربما ستتكلم بالمقلوب وتمشى للخلف من تأثير المادة التى حقنك بها الطبيب الخفى.  ه

بالطبع لن تترك الأمر يذهب بك لهذا الحد، وستسحب أحد الجرائد أو المجلات المبعثرة على المنضدة فى وسط غرفة الإستقبال و تدفن رأسك فيها. ه


(إقالة حكومة محمد محمود باشا)
كان ذلك المانشيت الرئيسى للجريدة التى سحبتها (وقد بدت الأحدث على المنضدة إياها) فى أخر زيارة للطبيب. وبعد رحلة مع الجريدة فى أوائل القرن الماضى (حين كان الناس يرون الأطباء وهم يدخلون من باب غرفة الإستقبال مثلهم) دخلت للطبيب الذى بادرنى بالإبتسامة والهدوء المألوفين: "خير..سلامتك؟" ه


قلت وأنا أتحسس مكان الزائدة التى استئُصِلت خطئاً من سنوات: "عندى صداع نصفى..والله العظيم صداع نصفى بس"! ه

Sunday, December 20, 2009

ممنوع وخطر


فى طريقى إلى العمل اليوم رأيت لافتة مكتوب عليها "خطر!"، ثم تحتها وبخط أصغر قليلا "ممنوع إلقاء القمامة داخل السور." نظرت إلى المساحة التى يحددها السور فلم أجد غير القمامة. ه


تأملت مغزى الاضطرار لاستخدام هذا التنبيه؛ أليس من البديهى أن نتساءل عن ضرورة الإعلان عن منع ما يجب أن يكون ممنوعا أصلا. هل تُعادِل هذه اللافتة تلك التى تقول مثلا "ممنوع اصطحاب الأطفال"؟ اصطحاب الأطفال ليس ممنوعا فى المطلق، أما إلقاء القمامة فلا يصح شرعا ولا أخلاقيا إلا فى مكانها الطبيعى. (وتذكرت تعريف أحدهم للحكمة بأنها وضع الشىء فى موضعه—فحِفنة من الطين تفسد ملابسك ولكنها لا تفعل ذلك فى إناء الورد) ه


ومع الوعى بالمسئولية المشتركة للحكومة والناس عن هذا الوضع المذرى، استوقفنى أمر أخر: ماذا كان فى ذهن صاحبنا الذى وضع اللافتة؟هل كان يعتقد فعلا ان ما فعله سيحل المشكلة؟ هل تابع اسلوبه فى التعامل مع المشكلة وقَيَّمَهُ؟..لا أعتقد. ه


ولكن من منا يفعل ذلك؟ من منا لا يعتقد أحيانا ان مشكلة ما قد تُحل بكلمة أو موعظة أو إعلان--إبراءاً للذمة! يرى الأب إبنه يُستدرج إلى كل الرذائل ويتجاهل ما يرى. ثم إذا وَخَذَه ضميره أتَى به فوعظه--وأحيانا بما يخالف ما يفعل هو نفسه، أو لعله يفعل ما هو أسوأ!--بكلمات يسمعها الأبن دون رد، وربما يهز رأسه موافقا وبالطبع هذه هى غاية استجابته. وينتهى الموقف ويرضى الطرفان بالنتيجة—الأب أبرأ ذمته وأرضى ضميره، وابنه ضمن الإرتياح من كلمات الرجل العجوز غير المجدية لشهور قادمة. لم ينوى الأب التغيير؛ فلو نواه حقا لعَرِف أن الناس لا تتغير بالكلمات فقط، وأن التغيير والعلاقات مع البشر كالكائنات الحية يجب أن تُنمَّى وتُرعى. ه


من الجهة الأخرى
فى حجرة ما فى الوزارة التى عُلِّقت هذه الافتة على مكان يتبعها، لاحظ الموظفون أن الناس ما زالوا يلقون القمامة فى ذات المكان الذى تم تحذيرهم من فعل ذلك به، فاقترح كل واحد منهم حل

الحِدق: احنا نحط كيس بلاستيك كبير فوق، لما الناس ترمى الزبالة تتحوش فيه، واحنا نلمها كل شوية ونبيعها

الصعيدى (قريبى): احنا نعمل يافطة بنفس الكلام على حتة الأرض اللى جنبنا..يومين بس وهتلاقوا دى زى الفل

الكوميدى: احنا نكتب الأول "مش خطر!" وبعدين نكهرب السور

الضايع: مفيش خطر طالما البوليس والمدير ومراتى بعيد

وخارج الجغرافيا والتاريخ
 كان الوزراء والمحافظون يختتمون الجلسة الخامسة والعشرين بعد الألف والتى كانوا يناقشون على هامشها مشكلة القمامة، وانتهت الجلسة بتبنى ورقة عمل تستهدف القضاء على المشكلة قبل انتهاء الحضارة الحالية  

Wednesday, December 16, 2009

نقطة أعلى..وأبعد

  كأن هذا الموقف قد تكرر من قبل!..كنت أفكر وأتعجب عندما رأيت ذلك المنزل الذى يظهر بعيدا. نفس الشعور الغريب بالسعادة غير المبررة عند رؤية أحد مداخل البيوت، أو بعض الأشجار أسفل أحد المنازل! وغالباً ما كنت أتجاهل ذلك واستمتع فقط بلحظات السعادة العجيبة الخاطفة—تأتى ساعات الضيق غير المبررة، ولا نتوقف للتساؤل! ولكننى هذه المرة تأملت الفكرة..لعل هذه اللحظات تكون نوع من اسباب التوازن المقدَّرة فى الحياه. وقبل إختبار الفكرة ثانيةً، اختفى البيت، وفكرت انه ربما يعطى السعادة لشخص أخر الأن.. ه


وقبل أن اشعر بمرارة فقدان ذلك الشعور، رأيت ذلك الطفل ينظر إلىّ من خلف ما بدا كأنه زجاج. كنا نتحرك فى نفس الوقت ببطأ ولكنه بدا أكثر شعورا بالإثارة. يرسم اشكالاً لا معنى لها على الزجاج وفى الهواء، ويتحرك يمينا ويسارا بسرعة و ينظر إلىّ نظرة خاطفة ثم يعود لِلَّعِب. ما زلت أذكر نفسى أقضى الأوقات لا أعبأ إلا باللعب وأوقات اليوم والأسبوع الأجمل-لحظة سماع جرس إنتهاء اليوم الدراسى، فى بداية حصص الرسم، السعادة الغامرة مساء الخميس بسبب الأجازة، والعبث صباح الجمعة بكل شىء فى البيت، والأوقات اتى كنت أقضيها فى السيارة فى طريقنا للنزهة الأسبوعية-بدءا بمشاهدة الطريق من زجاج السيارة وحتى الإستسلام للنوم. وقد نام أيضا ذلك الطفل الذى أثار هذه الذكريات. أثارها ثم ذهب. أصبحت أراه بالكاد وهو يبتعد رويدا رويدا أمامى. ه


ولكن حيث كان الطفل موجودا، ظهرت فتاه تجلس وعينها مثبتة أمامها. وعند رؤيتها تلاشت مشاعر الطفولة وذكرياتها. جذبنى وجهها من نزهة السيارة وحصص الرسم عبر السنين إليها وإلى تلك اللحظة التى تتضاءل أمامها كل السعادة واللامبالاه الطفولية. لحظة تتكثف فيها الحياه، تنمو فيها الزهور فى العقول بدل الأفكار، يظهر حاجز فِضّى يعزل تلك اللحظة ويعزلنى عن الماضى والمستقبل. ه


هل تنظر فعلا فى إتجاهى؟ لماذا تنظر بهذا الشغف إلى نقطة فى إتجاهى ولكن أعلى وأبعد قليلا؟! ه


أخيراً..يا عم عطَّلت اهلِنا وضيَّعت علينا اليوم. يعنى انا اجى من مدينة نصر لشبرا فى 4 ساعات، ويا ريتنا حتى عارفين احنا كنا واقفين ليه ولا مشينا دلوقتى ليه! ه
 كان سائق الميكروباص يصرخ فى عسكرى المرور الذى كان قد أشار للسيارات للعبور، وقد بدت رأسه فى نقطة فى إتجاهى ولكنها أعلى وأبعد! ه

Monday, December 14, 2009

إلى الظل

كان ذلك هو اللقاء الأول بينهما. جلس على المقعد المقابل لها وما زالت كل الأشعار التى يحبها تتردد فى عقله. كان قد قرر أن يعيش تلك اللحظات بعيدا عن أفكاره السرطانية، قرر أن يغلق صندوق الذكريات الأليمة. سيتغاضى عن حماقات الناس. لن يلتفت لهذا العيب فى وجنتيها. سينسى أنه لا يملك أى يقين انه يمكنه ان يقابلها مرة أخرى. هل يمكن أن تنتهى هذه الليلة الاستثنائية؟! ه

"لا استطيع أن أرى غيرك"
 بادرها بالكلام فلم تستطع الرد عليه
"!لن تنتهى هذه الليلة...سيموت بعضٌ منى لو انتهت"

مر الوقت، وانحسر الليل عن الطاولة، عن الأزهار والعيون. وتسللت إليه كل مخاوفه وهاجمته الذكريات. الأن يرى كل القبح من حوله. وبدا ذلك العيب فى وجهها. لم يعد يطيق حماقة ذلك النادل! ه

"!دعينا ننتقل إلى طاولة أخرى--إلى الظل"..."ولكن لا يمكن ذلك--ستتبعنا الشمس"

"أراك لاحقاً..سيأتى ما تبقَّى مِنِّى"

Sunday, December 13, 2009

التَنَطُّع والشخصية الكمالية

تٌشير صفة "التَنَطُّع" فى الدين إلى التعلق بدقائق الأمور دون جليلها والسؤال عما لا ينفع أو عن المسكوت عنه. وأرى من ذلك أن يشغل المرء نفسه بما خفى من الناس ونواياهم دون الظاهر منهم، أو يبدى الإهتمام بأمور دقيقة فى الدين وهو لا يحافظ على أركانه

ولكن لا يجب إطلاق الحكم لأن التنطع يتقاطع مع التقوى فى بعض المنطلقات منها الميل للإحتياط والإهتمام بدقائق الأمور وتوخى الحذر قبل أى خطوة؛ ولذلك وجب إدراك الفرق بينهما باعتبار حال المرء. فإن وجدته مهتماً بصغائر الأمور، فلا تحكم عليه قبل أن ترى حاله مع كبيرها. وكذلك يجب اعتبار الظروف، فإن كان صغيراً يبدأ الطريق إلى الله فَوَقَعَ فى هذه التقوى الزائفة فعلينا أن نترفق به وقد يكون تصحيح المسار يسيراً إذا وُجِدَ المٌعلِّم الواعى المدرك لحال النفس فى تلك المرحلة. ولكن كلما مر الوقت تأصلت الصفة وصعُب العلاج


ويتداخل مع هذا المفهوم مفهوم الشخصية الكمالية
(perfectionist)
  وهى شخصية تسعى لتحقيق الكمال فى كل شىء ولا تقبل من نفسها ولا من الأخرين أقل من الكمال. قد يكون هذا الشخص عالما يَُسيِّر حياته كما يفعل مع تجاربه العلمية، يريد كل شئونه منظمة ودقيقة كتجاربه. ولكنه قد يكون شخصاً عادياً لا يكف عن إلزام الناس بما يُلزٍم به نفسه وفقا لما يراه هو صحيحا، وغالبا ما يكون مُطيقاً له. ويصاحب هذا الإنسان القلق والضغط العصبى والإحباط نتيجة عدم إلتزام الأخرين. وغالبا ما يراه الأخرون مقصرا فى جوانب أخرى مهمة لا يرى هو لها أى أهمية، فيؤدى ذلك فى نهاية الأمر إلى اتهامات متبادلة وعدم قدرة على التواصل وإلى انعزاله


والمفارقة هنا أن الإنسان صاحب هذه الشخصية لا يستطيع أن ينظر من أى وجهة نظر أخرى فيظل أسيراً لوجهة نظره. ولأن هدفه، كما يراه هو، الكمال، فمن الصعب إقناعه بأن السعى وراء الكمال الذى يغفل الطبيعة البشرية ويورث القلق والإحباط ويفسد العلاقات و يتجاهل الواقعية ومراعاة الأحوال والمتغيرات ليس، فى أحسن الأحوال، إلا طريقا أخر تمهده النوايا الحسنة إلى غير الهدف الصحيح

Thursday, December 10, 2009

لم يعد لدى العنب جديدا يعطيه

أرى ذلك الطفل الخائف يقف على بعد سنين مضت. أراه يقف عند نقطة البداية ينظر إلى الطريق الذى أسير فيه. يراقبنى ويزداد خوفه علىّ يوما بعد يوم. وكلما مر الوقت، أراه أوضح، أشعر به وكأننى هو—أفرح بهدية بسيطة، أبكى بلا سبب، أو أخاف واضطرب عند سماع صوت عالى أو شجار. من أفضل منا حظاً؟ ذهب هو بنشوة التجارب الأولى والخوف بغير سبب! كان الأفق غير محدود والإحتمالات لانهائية، والأمل مصارع يقف وحده فى ساحة المعركة

كم كانت الإثارة تتصاعد مع تناوله أول حبة من العنب بعد عام من غيابه؟ّّ! لم يعطى العنب منتهى اللذة فى العام الأول من الوعى، بل كانت تنمو كل عام. لم تكن تعطيه الأشياء كل أسرارها مرة واحدة. كان كل يوم قصة مثيرة يكتبها ويعيش فيها. تُطرح الأسئلة ثم تُجاب واحد تلو الأخر..وتستمر الإثارة ويستمر الأمل. لم يكن يدرك نفسه بعد! كم عدد المرات التى جرّب فيها أى شىء؟! كانت الذاكرة غرفة لانهائية الأبعاد، بها بعض المقاعد

ولكن...كم عدد المقاعد الأن؟ هل جاء كل المدعوون؟ من لم يأتى بعد؟ من أخر من يأتى ومتى؟! كم خبرة أساسية لم يجربها بعد؟ وماذا بعد تجربتها؟! هل مصارع واحد مهما بلغت قوته قادر على هزيمة جيوش لا حصر لها؟


لم يعد لدى العنب جديدا يعطيه! ه




Tuesday, December 8, 2009

على جنب يا اسطى



قال أحد ركاب الميكروباص: على جنب يا اسطى

يستمر السائق فى طريقه ولكنه ينحرف تدريجيا بالسيارة إلى يمين الطريق مُخفِضا من سرعته

الراكب (بصوت بدأ يعلو): متنزلنا يا عم، فيه ايه؟! ه

السائق: مش باركن لك على جنب! ه

الراكب (بصوت أعلى وأكثر غضبا): يا سلام..هو انتو بيهمكوا حاجة، يعنى حبكت تقف على جنب دلوقتى

السائق: هو انت تعرفنى أنا! (يقصد المسكين "انت ركبت معايا قبل كدة علشان تعرف ان بعمل كده ولا لأ؟") ه

الراكب (وهو ينزل و يصفع باب السيارة وراءه): ماعرفكش ومش عايز أعرفك يا عم

انتهى الحوار! ه


إلى من كان يتكلم صاحبنا الراكب هنا؟ فى رأيى لم يكن يتكلم إلى نفس السائق الذى كنت أراه. لم ينادى السائق احد من بداية الطريق إلا بـ"يا افندم"، ولم يعترض على رغبة أحد الركاب فى تغيير 5 جنيهات لم تعجب الأخير


كان صاحبنا—ربنا يوعده بسواق من أصحاب الدماغ العالية والمتكلفة—يتكلم مع صورة السائق النمطية فى عقله! كان هذا مثال للحكم المسبق غير الموضوعى، و نموذج سيىء للتعميم المُخِل. ه


لا يَسلم تفكير ولا يستقيم سلوك مع وجود الأحكام المسبقة والتعميم بِلا أساس وعدم الموضوعية. ه



Monday, December 7, 2009

الصورة الكاملة

لكل إنسان منا صورة ذهنية عن نفسه. تلك الصورة هى نتيجة خبراته ووعيه وتعليمه وأفكاره ومواقف حياته وذاكرته—كل تفاعلات ذلك الكائن المتفرد فى حياته من لحظة وعيه الأولى وحتى لحظته الحالية. وهذه الرؤية وحدها ليست هى حقيقته، هى فقط نفسه كما يراها هو


كم مرة أتيت بفعل احترت لما فعلته؟ كم مرة شعرت بشعور لم تعرف تفسير له؟ كم مرة كنت متأكد فيها انك لن تستطيع فعل شىء فإذا بك تفعله؟ كم مرة كنت متأكد انك قادر على فعل شىء فلم تستطع فعله؟ كم مرة فعلت شىء لا تريد فعله وهناك صوت بعيد يناديك ألا تفعل، ولكنك لا تستطيع التوقف ثم تندم على ما فعلت؟ كم مرة قلت لنفسك: لماذا فعلت هذا؟ كم مرة قال لك فيها أحد "لا أستطيع ان افهمك" كم مرة اتُهِمت بالتناقض؟ كم مرة صارحك أحد بعيب يراه فيك ورأيت انت ان عندك الصفة الإيجابية العكسية. كم مرة فأجأك مديرك فى العمل بانك لا تصلح لما ترى انك اصلح شخص له؟ كم مرة تقدمت لوظيفة وجاءت نتيجة المقابلة مختلفة سلبا أو اِيجابا عما توقعته؟


وكما يتأثر الإنسان بكل وجوده فى رؤيته لنفسه، فنفس التأثير يصدق على رؤيته للأخرين. فأنت لا تدرك حقيقة الأخرين كاملة، بل هى صورة ذهنية لهم مبنية على ظاهر أحوالهم وسلوكهم وأقوالهم وما سمحوا بإظهاره لك، كما انها متأثرة بشخصيتك انت


ولا شك ان الصورتين لك فى النهاية-صورتك الذهنية عن نفسك والصورة الذهنية عنك لدى الأخرين-ولكنهما لست انت. صِف نفسك فى كلمات ودَع اصحاب ومعارف مختلفين يصفوك، وانظر فى التشابه والتضاد الذى ستجده


كيف يرى الصورة الكاملة من وُجِد من عدم، من يحتاج لِلف رقبته لرؤية من خلفه، من يُفتقد فى كل الأمكنة إلا مكان واحد وفى كل الأزمنة إلا زمان واحد


ولكن أين الصورة الكاملة؟ مَن عنده الإحاطة الشاملة؟ مَن لا يفتقده زمان ولا مكان؟ من ناشىء الأحوال والأفكار والصور والحقائق؟



Sunday, December 6, 2009

أيهما أولى بالفخر؟

من السهل إنتقاد الأخرين وببجاحة لأننا لا نفعل ما ننتقده فيهم. ولكن إن كان ما ننتقد فيهم افتقادهم لفضيلة ما، فماذا تكبدنا من عناء لإكتساب هذه الفضيلة؟ أم أنها نتيجة ميْل طبيعى فينا لم نجتهد للوصول إليه؟ وإن كان كذلك فهل يحق لنا التفاخر ونقد الأخر بعنف؟ أليس عنده فضائل أخرى ليست عندنا؟ أليس لدينا رذائل لا نستطيع مقاومتها لأنها توافق ميْلنا؟


كم فضيلة اكتسبناها وهى شاقة علينا؟ وبالطبع غالبا ما يخالف هوى النفس الفضائل إلا عند المختارين من الله. والنسبية بعد ذلك حاكمة فى الإستعداد الشخصى لبعض الفضائل. فترى مثلا من لا يجد أى مشقة فى عِفة اللسان ولكنه يحمل أحقادا للناس. وتجد من يلقى خطباً عن إلتزامه بالمواعيد، وهو لا يعطى أحدا الفرصة للكلام فى وجوده، والأمثلة كثيرة إذا كانت العين بصيرة. ه


ترى أيهما أولى بالفخر، إن كان لا بد منه أصلا، إنسان نشأ فى أسرة لا يلفظ فيها أحد بما يخالف الدين أو الأخلاق ولم تحدثه نفسه بغير ذلك فنشأ عف اللسان..أم إنسان نشأ فى أسرة تقلصت حروف اللغة فيها إلى بضع حروف تتألف منهم كل الشتائم، فمالت نفسه لذلك فتبعها ثم قرر تغيير ذلك-بعد وَعْىٍ-فتركه؟


هل نسير فى الأرض نلوم الناس على ما يفتقدون من فضائل، متعالين عليهم، مفتخرين بما لم نجتهد فى تحصيله..أم ننظر فى أنفسنا فنحاول تزكيتها؟








Saturday, December 5, 2009

ما يمكن تغييره

لا يخلو حديث على قهوة من إتهامات للحكومات، ولا يخلو حديث فى العمل من إتهامات لأصحاب الأعمال أو مديريها..نحن لا نكف عن لوم غيرنا؛ ولو فعلنا، نقول جملة عامة مرسلة لا تحمِّل مسئولية ولا تدفع للعمل وغالبا ما يسبقها أو يتبعها تبرير

وبجانب المدخل المهم أيضا لهذا الموضوع وهو ضرورة ان يركز الإنسان على نفسه وينقدها ويبدأ بها أولاً محاولا إصلاحها وتطويرها، هناك مدخل أخر وهو القدرة على إدراك الفرق بين ما يمكن تغييره وما لا يمكن تغييره

يقضى بعض الناس أعمارهم محاولين تغيير أشياء لا يمكن تغييرها فى أنفسهم أو فى من حولهم..سواء لإستحالة التغيير أو لعدم مناسبته فى الوقت الحالى أو لعدم منطقية البدأ به أو لأى أسباب أخرى؛ وغالبا ما يكون ذلك مع تركهم محاولة تغيير مايمكن أو يجب تغييره

فتجد من يحاول بكل جهده ان يلتحق بعمل لا يتناسب مع إمكانياته، وتتعدد الأسباب هنا، فى حين لا يحاول أبدا تطوير نفسه فى ما يناسبه أو فى عمله الحالى. ولا تأتى هذه الرغبة فى التغيير نتيجة طموح مشروع بل نتيجة عدم وعى بالذات ولا بالقدرات ويؤكد ذلك انه لا يخطط لما يريد-فلو خطط له لأكتشف فى وقت قريب ان ذلك طريق مسدود وانه يجب ان يجرِّب طريق أخر لعله يكون مُفتَقدٌ فيه-ولا يرى مسئوليته عن عدم نجاحه فى مكانه الحالى فيلقى باللوم على غيره ثم يشرع فى التغيير غير المنظم..لا يحمل إلا سوء تقدير وأمانى
بين هذا والنجاح ان يدرك ما عليه عمله الأن فيفعله، ثم يدرك ما يمكن تغييره فلا يكف عن المحاولة معه، ثم يخطط لتغيير الأمور الأصعب إن أمكنه ذلك

ما هو القاسم المشترك فى أى جلسة مع الأصحاب على القهوة أو فوق سطح أحد المنازل؟ هذا تصور للسيناريو المعتاد لأحدهم، فهو غالبا بعد إنتقاد الدول الأجنبية والحكومة المصرية ورجال الأعمال ورئيسه فى العمل وزوجته أوخطيبته وصاحب البيت وبعض الفنانين ولاعبى الكرة والجو والذباب (وإحتمال بعد سب الحذاء الضيق الذى يرتديه) سينتقد اصحاب المهن الأخرى الذين تعامل معهم مؤخراً. وبذلك يكون صاحبنا قد انتقد الكون بكل مخلوقاته بعد إستثناء نفسه وربما بعض الأشخاص القليلين الذين رأى سيادته براءتهم إلى حين. وأحيانا يتكرم على الدنيا بإعتراف انه ربما قد يكون متحملا لبعض المسئولية عما يحدث. ويسمع فى أذنيه ما يشبه التصفيق العالى من كل مخلوق على وجه الأرض تشجيعا وتقديرا على هذا الإعتراف النادر، ثم يشوش على هذا التصفيق والإحتفال الكونى صوت كركرة الشيشة التى طارت تحت كرسى البيه حتى قبل ان يستقر على كرسيه..بالطبع لا يوجد وقت لتضييعه من بضع الساعات اليومى الذى يٌقضى فى هذا الجو الإيجابى ومع هذه الأحاديث الممتعة. ولا عزاء للأهداف والوعى والوقت

وربما يتطور الكلام بعدها إلى نقد علماء الدين، وصاحبنا لم يتوقف عن شرب الشيشة للحظة واحدة ولم يقم لصلاتين أُذِن لهما وهو جالس على القهوة ولن تهرب منه إمرأة تمر أمامه دون مسحها ضوئيا وقد ترك أبوه لتوهه تحت صدمة صراخه فى وجهه. هذا مع إعتبار ستر الله فيما يعلمه وحده عن صاحبنا. والرد جاهز: "ده عالم وخطأه هيأثر على ناس كتير وهو مؤتمن"َ ه
وكأن هذا العالِم، إن صح تقصيره، ليس إلا أحد نتائج الحالة الدينية والثقافية العامة للناس؛ وكأنه ليس مجرد شاهد على وضع عام يجب إصلاحه وليس إستغلاله (ربما يلجأ صاحبنا لنفس العالم إذا ’أعجبته‘ فتوى عنده)، وكأن الصياح فى الأب وإهدار وقت العمل أخطاء غير متعدية للأخرين، وكأن الأخطاء إن كانت شخصية غير متعدية تبرر عدم الإلتفات لها مع التركيز والتغنى بأخطاء العلماء إذا كان قادرا حقا على الحكم وأهل له

ولعل الكلام يتطرق إلى الفساد فى وزارة الإسكان مثلا، ولن يعدم أى من أصحابنا أمثلة تملأ كتبا عن هذا الفساد والتقصير..وكلها من مصادر يُدعى انها موثوق فيها مع إنها ليست رؤيةً أو سمعاً—وعلى كل حال، لا أشك فى صحة كثير من ذلك. معلومة بين قوسين: (يسكن واحد من أصحابنا فى شقة كان قد تزوج فيها. وعندما أعلنت وزارة الإسكان عن شقق للشباب غير القادرين، هرول الرجل وبحث عن من يساعده على تملك أحد الشقق بغير حق مقابل رشوة. وبالطبع سيبيع صاحبنا الشقة بأضعاف ثمنها لواحد أخر من أصحابنا لم يحالفه الحظ فى الحصول عليها بأى شكل). والرد جاهز: "اللى يجى من الحكومة أحسن منها" ه
وكأنه لم يسرق حق غيره دون شك، وكأن الأخلاق نسبية وحسب الموقف، وكأنه بفعله هذا ليس إلا جزءا فى هذه الصورة السلبية الكبيرة أو على الأقل ليس إلا سببا أخر معطلا للإصلاح والتغيير

لن أتمكن من تغيير غيرى إن لم أستطع تغيير نفسى

أنا جزء من المشكلة، يجب أن أصبح جزءا من الحل




Thursday, December 3, 2009

التطور والقيم

I, Robot
Will Smith فيلم أمريكى مشهور كان يقود فيه
           !سيارته بأمر يعطيه لها صوتيا 
فتسير السيارة إلى وجهته دون ضرورة تحكُّم منه. ولكن ما العجب فى ذلك؟ هل كان نابليون يتصور انه لو عاش فى عصرنا هذا لأمكنه ان يكلف العلماء الفرنسيين بتأليف كتاب وصف مصر وهم فى باريس عن طريق
؟video conferencing وال utube

يبدو هذا الرد منطقيا جدا، ولكن هل يمكن ان يستمر هذا التطور فى أساليب الحياة إلى الحد الذى لا يمكن معه تصور بقاء الخصائص الأساسية للحياه والتى يشكل الضعف والمحدودية عنصران أساسيان منها؟

ترى ماذا سيحدث كسبب وكنتيجة لأن يستطيع الإنسان منا الذهاب لمكان ما بمجرد ان ينطق بكلمة ودون ان يقوم بأى مجهود؟ لعل الإجابة ستكون بسيطة على نحو: سيحدث كما حدث مع التطورات من قبل، ستصبح طبيعية مع الوقت وسيأتى جيل يعتبرها مسلمات ويتندَّر على التاريخ الذى كان فيه الناس يقضون ربع أعمارهم فى قيادة سياراتهم وربع اخر فى إصلاحها--وعليك ان تنسى ربع أخر لو سيارتك ماركة 'لادا' ولادا
ولكن...فى أى شىء سيقضى الناس أوقاتهم التى ستوفرها لهم هذه التكنولوجيا؟ ما أساليب الرفاهية الأخرى التى ستتطور بالتوازى بعد الملاهى المائية والسنيما والبلاى ستيشن؟ ما ثمن هذا التطور؟

هل تتطور الحضارة الحالية إلى أخرى أكثر تعقيدا وتقدما فى أساليب الحياه؟
أم تأتى الحضارة الحديثة إلى نهاية فلا يكتمل هذا التطور ويندثر كثير من اسرارها ولا يبقى إلا الأثار كحال الحضارة الفرعونية؟
وماذا سيكون دورنا فى حالة تحقق الإحتمال الأول و أثرنا فى حالة تحقق الإحتمال الثانى؟

ربما يتحقق بعض هذا الخيال، ولكن لن يكون التطور لانهائيا. تصور لانهائية التطور يدفع للإبداع ولكنه فى نفس الوقت يهدد الإرتباط بالمرجعيات القائمة على الإيمان والسلوك المتوافق مع التعاليم الدينية والقيم الأخلاقية

هل من إتفاق حول صيغة تجمع بين التطور والقيم فى هذا العصر، وتكون قادرة على الصمود عبر العصور؟








Wednesday, December 2, 2009

عن دوران العجلة



شوف باقلنا قد ايه كل المسئولين شايفين مشكلة المرور ولسة مش عارفين يحلّوها، حاجة غريبة
 قالها لى رفيقى اليومى فى الطريق إلى العمل-وقد رفض ذكر اسمه خشية ان يجد فى المرور مخالفة السير عكسيا على كبرى 6 اكتوبر الساعة 6 يوم مباراة مصر والجزائر فى السودان-وتساءلت فى نفسى كم قيلت هذه الجملة سواءاً على المرور أو غيره فى السنوات الأخيرة (دون تحديد السنين، من يدرى؟ فلعلى أجد مخالفة علىَّ لإننى لم أعترض على ما فعل رفيقى وقد كنت بجانبه يومها)؟


ولأنه من الصعب افتراض نظرية المؤامرة وتورط المصالح والفساد فى مشكلة مثل المرور، فلا يبقى إلا نظرية تدوير العجلة


ماذا يفعل الإنسان الطبيعى إذا كان واقفا فى طابور يؤدى إلى غرفة كبيرة سينتظر فيها هذا الجَمع لفترة، وهو يرى الأشخاص الذين يسبقونه كُلاً يأخذ كرسى من أقصى يمين الغرفة ويضعه فى أقصى يسار الغرفة ويجلس عليه صامتا؟ أظن ان 998 من ألف سوف يفعلون نفس الشىء، وواحد فقط قد يفعل شيئا مختلف: قد يتوقف وينظر للغرفة ويتفحصها رغبة فى استنتاج الهدف، أو ربما يسأل أحد سابقيه عن الهدف من ذلك، وربما حتى لا يتعب نفسه بالتفكير فى الهدف ويختار مكانا يراه مناسبا من ناحية الضوء أو التهوية، حتى مجرد أن يتعجب من ذلك ضاحكا يُعدُ فعلا مختلفا. سيستمر أمثال هؤلاء ال 998 فى حياتهم يدوِّرون العجلة وربما بكفاءة أو بسرعة، أما ذلك الواحد فهو مُحرِّك الأخرين وهو المعنِى بالتغيير، وصفوة هؤلاء يصنعون التاريخ


أما الواحد الباقى من كل ألف فهو الشخص الذى قد يصدر عنه بخصوص نفس الموقف تعليق مثل "أه أكيد الجانب اليمين ده هيقع دلوقتى!" ثم يأخذ الكرسى ويهرول إلى الجانب الأخر ويضع الكرسى جانبا ويجلس على الأرض؛ ويُصبح أمثال هؤلاء قادة وصناع قرار (وفى أحسن الأحوال يشاركهم بعضا من ال 998)، ويتضح جليا ما يفتقدون..مع افتراض عدم افتقادهم الأخلاق! أمثال هؤلاء لم ولن يصلحوا تعليم ولا مركزية ولا بحث علمى ولا اقتصاد ولا خدمات ولا وعى ولن يحققوا تقدم ولا تطور

من يتوقف ليتساءل ويحتار ويبحث ويعيد النظر فى الخبرات ويُخضِع المسلَّمات والمعارف وأساليب الحياة القديمة للإختبار..ذلك الإنسان هو الذى يغيِّر من نفسه ومن أسرته ومؤسسته وإدارته ودولته وربما من عالمه


وبالمعيار الخُلُقى يُصفَّى هؤلاء، فيُختار من يقيم الدنيا على أساس العقل بجانب القيم الإنسانية العليا


هذا الإنسان الخلاق ذو الخلق يقاوم بيئته و طباعه ومُحددات سلوكه من خارجه، ويستعين بإيمانه وقيمه وإرادته وعقله وخياله ليبدع من الأفكار والأساليب ما يتحقق به إشباع الحاجات و تتطور به الحياه فى إتجاه رشيد حتى النهاية

Tuesday, November 24, 2009

مَقطَعٌ فى الوجود

أوشك النهار ان يهزم الليل فى معركة ذلك اليوم؛ وكانت فلول الليل تفر هاربة أمام أنوار النهار الكاشفة الفاضحة. وكان السحاب يمر سريعا يذكرنى بالعمر...يَمرُّ بى ولا اَمرُّ به. ظهرت الطيور وكأنها تُخلقُ الأن من جديد؛ لا يهم أحدا أين كانت بالليل! مرت أمامى مرور الذكريات الخاطف الموجع، تغزل الماضى فى الحاضر بخيوط من لهب وبرد وخوف. و يُحلِّقُ بعضها فيرسم علامات أو طرق صاعدة إلى السماء أو هابطة إلى الأرض. وبدا ذلك البيت من جديد كأنه نبت من باطن الأرض الأن بعد أن كُشِف عن جانبه الأيمن. ومن أمامه بدا بوضوح أكثر البيت الأخر الذى تعلو سقفه أطباق الإستقبال الفضائى والأمتعة القديمة! وفى الأفق ارتسم نصف قرص الشمس، تحجب نافذتى الجزء الأخر منه. وُلِدَ اليوم! أغمضت عينى ومِلتُ برأسى للخلف على مقدمة سريرى ثم رقدتُ لأنام...لعلى أرى قرص الشمس كاملا أو أسكن أعشاش الطيور الخفية


Sunday, November 22, 2009

حِلاقَة

قررت اليوم بعد جهد بالغ ان اذهب للحلاق، وهو قرار صعب اضطر لإتخاذه بين الحين والأخر مراعاة لشعور الأخرين..اقصد مشاعرهم. لو ان الشعر يزيد كزيادة الدخل وليس كالأسعار

على أى حال، من باب حسن الجوار وحسن العشرة والإبقاء على ما بقى من أصدقاء، قررت الذهاب للحلاق. وطبعا جاء القرار يوم الإثنين كالعادة. وفور تذكرى ذلك دائما، اشعر بضحكة بلهاء ساخرة ترتسم على وجهى أو بالأحرى على وجه الجزء البوهيمى منى. ويقول الجزء الأخر العاقل -محب السبسبة- فى نفسه "قال يعنى ما يعرفش إن انهاردة الإتنين!" وقبل ما يَهم بعض من يهمهم أمرى بإعتقالى وإرغامى على الحلاقة، أجد نفسى جالس على كرسى الحلاق! والأن مرة أخرى اسلِّم نفسى للحلاق وأقتر كل مخزون التناحة المدخر. علىَّ ان اتوقف عن كل ما أحبه أو أجيده. التفكير ممنوع، فغفلة ثوانى قد تكلفنى أذنى، وتعديل خطأ ما قد ينتهى بى إلى حلاقة إنجليزى معتبرة لا تؤهلنى لأى شىء إلا الشحاذة الفاشلة على أول نفق شبرا!

وممنوع الصمت! إذ لا بد من الكلام أو التعليق على الأقل. ولإن صاحبكم مغفل، لا أستطيع ذلك واكتفى بنطق حروف مثل "اه"، "يا"، "لأ!". أو اقضى وقت الحلاقة فى إبتسامات عريضة تفقدنى السيطرة على فمى بعد الخروج..فيزرف عقلى حروف أخرى لها معانى بذيئة، وددت لو سمع الحلاق بعضها!

ولما جربت المشاركة فى الحوار بجدية ذات مرة، أدركت فعلا حجم تغفيلى. فالكلام عند الحلاق غير الكلام الذى أعرفه وربما أجيده. هذا ليس مجالا للحوار، بل لإستعمال اللسان والفم--والحواجب أحيانا—خشية التلف أو الزرجنة. ثم من يجرأ على مخالفة حلاق ورقبته تحت يديه؟!.والخطأ وارد، والمقص حرامى، والشيطان شاطر—على الأقل أشطر من الحلاق بتاعى. وعلى أقل تقدير تطير نقطتان من الكولونيا خطئا إلى عينى..تكفِّّران أخطاء اليوم كله!

وتراودنى فكرة كل مرة أثناء الحلاقة: "ترى هل سيغضب لو دفعت له الأجرة أو الفدية وهربت الأن؟!" ولكننى أتراجع دائما فى اخر لحظة. وعند خروجى، اشعر بتقدير معنى البقاء على قيد الحياه، ولا ينغص ذلك إلا بقايا الشعر الذى تطاير علىَّ برغم غطاء السيارة الذى لفحنى به طول الحلاقة!



Saturday, November 21, 2009

من أجل المصلحة الأهم

من أجل مصلحتنا يجب إحتواء أزمة مباراة الجزائر. لا يجب ان تنفصل مصالحنا الشخصية عن قضايانا الكبرى ومستقبلنا على هذه الأرض. يجب ان تكون العقيدة (سواء دينية او دنيوية) هى الموجهة للعقل وحاكمة للسلوك والإنفعالات.
ولكن من نحن؟ نحن المصريون اصحاب الثقافة العربية الإسلامية. ونحن مصر المسلمين والمسيحيين. ونحن الدولة ذات الإنتماءات والإمتدادات التاريخية والجغرافية المختلفة. نحن الدولة التى تملك الماضى و تبحث عن طريق يفضى إلى مستقبل أفضل. نحن الدولة المعنية بالتغيير والمؤهلة له. وإن لم نكن الدولة القائدة، فلا غنى عنا فى مقدمة الصفوف. إن لم نكن رسلا، فنحن أول الأنصار لدعوات الحق.
ويفيدنا هنا سؤال "و ماذا بعد؟" ماذا بعد ان ننتقم ونأخذ بثأرنا ونتمادى فى إلحاق الضرر حتى تُشفى صدورنا؟ ماذا سيحدث نتيجة لذلك؟ كيف سيؤثر ذلك على مستقبلنا السياسى والإقتصادى والثقافى، وعلى مستقبلنا بشكل عام؟
وإذا كان الرد على شاكلة "لا يهم ماذا بعد"، فهذا ليس فقط صوت بعيد عن العقل، بل هو أيضا بعيد عن القلب وبعيد عن الحكمة والبصيرة.
من المستفيد من هذا الصدام؟ ومن يحاول أو سيحاول الإستفادة منه؟ اسئلة يجب طرحها والإجابة عليها، وهذه الإجابات من أهم محددات استجابتنا لما يحدث.
إن الإنتماء الطبيعى و العاطفى لشىء ما هو شعور إنسانى غريزى...الإنتماء للجذور سواء كان إنسان أو مكان أو أى شىء أخر. ولكن هل نسمح لذلك الميل الشعورى الفطرى بتجاوز حدود العقائد (واقصد بالعقائد كل ما نؤمن به دينيا او اخلاقيا او سياسيا، إلخ)؟ أين تقع العقائد والقيم العليا من العقل والعاطفة؟ مرة أخرى ستحدد إجابات هذه الأسئلة إتجاهنا.
أكتب لأقاوم مشاعرى ومخاوفى، لأرسم صورة لمستقبل أفضل... صورة تقاوم جموح العاطفة وشرود العقل...صورة ترسمها عين الحكمة. وإن كان لى برأى أو نصيحة، فلست ناصحا بإجراء محدد. ولكننى ناصح أولا بإجابة الأسئلة المطروحة. ثم أرى ألا ننساق وراء الإنفعال الذى لا يلجمه عقل ولا يضبطه الإيمان والقيم والأهداف. وإلا سيمر الوقت ويهدأ الإنفعال وننظر للماضى فنرى أفعالنا كأطفال مشاغبين لم يربِّهم اباهم...سنرى افعالنا التى لم نبذل الجهد الكافى لتوجيهها وفق معتقداتنا...سيكبر هؤلاء الأطفال ويطاردون مستقبلنا!
لو انتصر لنفسه فقط أى صاحب دعوة (دينية أو دنيوية)، ما عاشت أى دعوة أو دين، وما قامت الحضارات، وما حدثت التغيرات الكبرى فى التاريخ الإنسانى.