المفروض تروح للدكتور، انت بتنصحنا كلنا وما بتعملش اللى بتنصح بيه! هتجمعت اصواتهم فى وجهى فلم استطع التبرير. كنت اُعانى من الصداع النصفى لليوم الرابع وقد باءت كل محاولات القضاء عليه بالفشل، من المسكنات وحتى العلاج وفق تلك النظرية العجيبة التى شرحها لى أحدهم قبل سنوات. قال لى أن هناك أسلوبا لعلاج الألم يقوم على إنشاء مصدر أخر لألم يكون أَخَفْ من الأول فيصرف الإحساس بالألم عن المصدر الأصلى. بالطبع لم أفهم ذلك ولم أحاول أن أجربه من قبل خشية أن انتهى بألمين يدفعانى للجنون أو لقتل من تسبب لى فى ذلك. ه
ولكننى تذكرت تلك النظرية عندما هاجمنى الصداع الرهيب. ورأيت أنه قد يفيد بعض الألم النفسى كمصدر ثانى، فتابعت تصريحات وتبريرات المسئولين المصريين. وحقيقة انصرف انتباهى قليلا عن الإحساس بالصداع، ولكننى أُصبت فى الوقت نفسه بتنميل فى النصف الأخر الذى تركه الصداع، ورعشة، وبشعور يشبه ذلك الذى وصفته ج. ك. رولينج فى هارى بوتر؛ ذلك الشعور الذى كان يواجه الشخصيات التى تقابل "الديمونتورات"--وهى تلك المخلوقات السحرية التى كانت تنشر اليأس فى النفوس عندما تظهر. ه
يخرب بيت النظريات اللى هاتخلينى أعالج الصداع النصفى واجيب لنفسى هلاوس و فصام..وإحتمال عسر هضم وحَوَل، ويمكن كمان تفكك أُسَرِى
ولكن فعلا..لماذا نؤجل الذهاب للطبيب (أحيانا حتى إلى أن يتم استدعاؤه غصباً عنا لإستصدار تصريح الدفن)؟! ه
أنا شخصيا لدىَّ أسبابى. كلما قررت الذهاب إليه هاجمتنى كل المخاوف السوداء وأكثر السيناريوهات تشاؤماً. أخشى أن أذهب إليه مشتكياً من الصداع مثلا فيصارحنى بضرورة استئصال الزائدة! كل الإحتمالات واردة عند هذا الرجل الكبير الهادىء الذى يعرف كل شىء. نعم، مازالت صورة الطبيب فى عقلى هى صورة ذلك الرجل الذى أذهب إليه وأنا فى أضعف وأسوأ حالاتى..هذا الرجل الذى لا يدِّعى عدم المعرفة أبدا، ولا يبدى الشك فى أى شىء. يكفيه بعض الفحص والفعص والقليل من الأسئلة فيعرف العلة ويصف الدواء. كم وددت أن اقضم أنفه الكبير كلما ذهبت إليه فى موسم نزلات البرد فيهاجم فمى بهذه الألة المعدنية التى تشبه الملعقة حتى يُفسح طريقا بين حلقى ولسانى ينظر فيه مسترشداً بذلك الكشاف الصغير الذى يوجهه إلى النفق الذى مَهَّدَه. يتطلب الأمر 3 وجبات بعد ذلك الفحص قبل أن يعود حلقى ولسانى إلى مكانهما فأستطيع أن أشتمه. ه
لماذا إذن لا أحب الذهاب للطبيب؟!!! ه
أول ما يواجهك عند الطبيب ذلك الرجل أو تلك المرأه المسئولة عن الحجز والتى تعمل بهذا الجرس المألوف المخيف الذى يفصل بين زيارات المرضى. (لماذا لا يغيرون ذلك الصوت الكئيب ويستبدلونه بنغمات "لايف"؟--ربما "بوس الواوا" تكون مناسبة لعيادة الطبيب، بالطبع بعد التطهير) ه
سوف تحجز ولكنك لن تدخل فى ميعادك ولا فى دورك. سيتأخر الطبيب. (كنت مرة عند طبيب وبعد إنتظاره لأكثر من ساعة وبعد فقدان الناس للأمل فى مجيئه، اتصلت به الممرضة واخبرتنا بأنه على وصول. وبعد دقائق، قالت الممرضة أن الطبيب جاء! لم أرى أحدا يدخل خلال تلك الدقائق! ولم يتعجب الناس! نظرت فلم أجد باباً أخر للعيادة! لم أهتم بعدها بإنتظار رؤية الطبيب وهو يدخل..هل تقدم الطب إلى هذا الحد؟!) ثم سيدخل مندوب المبيعات (الذى غالبا قد جاء مختبئا أسفل سيارة الطبيب) ثم بعض معارف الطبيب ثم أصحاب الكشف "المستعجل" (يكون غالبا سبب استعجالهم انهم يملكون فرق الفلوس بين العادى والمستعجل) ثم بعض محاسيب المسئول عن الحجز. ولن تستطيع الشجار معه إذ هو مُدَرَّب على عدم الرد، قد تعوَّد على التعامل مع الناس يوميا فى أسوأ أمزجتهم ولن يزعجه منك شىء دون الضرب. وفى أغلب الأحيان ستضطر للإنتظار ولن تلجأ لخيار الضرب الذى لن تقدر عليه أصلاً وذلك لسبب وجيه وهو الذى أتى بك إلى عيادة طبيب. ثم بالمنطق، لو تدخَّل الطبيب (الذى لن تشعر به وهو يأتى بسبب تقدم الطب أيضا) سينتهى بك الحال فى أحسن الأحوال مغشياً عليك امام باب العيادة..وعندما تفيق، ربما ستتكلم بالمقلوب وتمشى للخلف من تأثير المادة التى حقنك بها الطبيب الخفى. ه
بالطبع لن تترك الأمر يذهب بك لهذا الحد، وستسحب أحد الجرائد أو المجلات المبعثرة على المنضدة فى وسط غرفة الإستقبال و تدفن رأسك فيها. ه
(إقالة حكومة محمد محمود باشا)
كان ذلك المانشيت الرئيسى للجريدة التى سحبتها (وقد بدت الأحدث على المنضدة إياها) فى أخر زيارة للطبيب. وبعد رحلة مع الجريدة فى أوائل القرن الماضى (حين كان الناس يرون الأطباء وهم يدخلون من باب غرفة الإستقبال مثلهم) دخلت للطبيب الذى بادرنى بالإبتسامة والهدوء المألوفين: "خير..سلامتك؟" ه
قلت وأنا أتحسس مكان الزائدة التى استئُصِلت خطئاً من سنوات: "عندى صداع نصفى..والله العظيم صداع نصفى بس"! ه








