Sunday, December 13, 2009

التَنَطُّع والشخصية الكمالية

تٌشير صفة "التَنَطُّع" فى الدين إلى التعلق بدقائق الأمور دون جليلها والسؤال عما لا ينفع أو عن المسكوت عنه. وأرى من ذلك أن يشغل المرء نفسه بما خفى من الناس ونواياهم دون الظاهر منهم، أو يبدى الإهتمام بأمور دقيقة فى الدين وهو لا يحافظ على أركانه

ولكن لا يجب إطلاق الحكم لأن التنطع يتقاطع مع التقوى فى بعض المنطلقات منها الميل للإحتياط والإهتمام بدقائق الأمور وتوخى الحذر قبل أى خطوة؛ ولذلك وجب إدراك الفرق بينهما باعتبار حال المرء. فإن وجدته مهتماً بصغائر الأمور، فلا تحكم عليه قبل أن ترى حاله مع كبيرها. وكذلك يجب اعتبار الظروف، فإن كان صغيراً يبدأ الطريق إلى الله فَوَقَعَ فى هذه التقوى الزائفة فعلينا أن نترفق به وقد يكون تصحيح المسار يسيراً إذا وُجِدَ المٌعلِّم الواعى المدرك لحال النفس فى تلك المرحلة. ولكن كلما مر الوقت تأصلت الصفة وصعُب العلاج


ويتداخل مع هذا المفهوم مفهوم الشخصية الكمالية
(perfectionist)
  وهى شخصية تسعى لتحقيق الكمال فى كل شىء ولا تقبل من نفسها ولا من الأخرين أقل من الكمال. قد يكون هذا الشخص عالما يَُسيِّر حياته كما يفعل مع تجاربه العلمية، يريد كل شئونه منظمة ودقيقة كتجاربه. ولكنه قد يكون شخصاً عادياً لا يكف عن إلزام الناس بما يُلزٍم به نفسه وفقا لما يراه هو صحيحا، وغالبا ما يكون مُطيقاً له. ويصاحب هذا الإنسان القلق والضغط العصبى والإحباط نتيجة عدم إلتزام الأخرين. وغالبا ما يراه الأخرون مقصرا فى جوانب أخرى مهمة لا يرى هو لها أى أهمية، فيؤدى ذلك فى نهاية الأمر إلى اتهامات متبادلة وعدم قدرة على التواصل وإلى انعزاله


والمفارقة هنا أن الإنسان صاحب هذه الشخصية لا يستطيع أن ينظر من أى وجهة نظر أخرى فيظل أسيراً لوجهة نظره. ولأن هدفه، كما يراه هو، الكمال، فمن الصعب إقناعه بأن السعى وراء الكمال الذى يغفل الطبيعة البشرية ويورث القلق والإحباط ويفسد العلاقات و يتجاهل الواقعية ومراعاة الأحوال والمتغيرات ليس، فى أحسن الأحوال، إلا طريقا أخر تمهده النوايا الحسنة إلى غير الهدف الصحيح

1 comment: