لماذا أتذكرها دائما عندما أقف على رصيف قطار الأنفاق الخالي إلا من عدة
أشخاص أميّزهم بالكاد في أخر الرصيف؟!
في كل مرة أقرر أن أعود إلى بيتي في قطار الأنفاق، أتساءل إن كنت سألحق به.
لم أتذكر أبدا أن أسأل عن مواعيد عمله! ربما أحب أن أعرف دائما أن هناك فرصة
للّحاق به. أصِلُ إلى شباك التذاكر في ترقّب منتظرا أن يقول لي الموظف المسئول أن
أخر قطار قد غادر بالفعل، ولكنهم لا يقولون ذلك أبدا..كيف لم أتأخر في مرة من
المرات وأنا لم أعرف ميعاد انتهاء العمل فيه أبدا وأذهب في أوقات متأخرة مختلفة؟! هل
أريد أن أعرف؟!
يذهب القلق عندما لا يتكلم الموظف..إنهم لا يتكلمون ابدا..لا تلتقي أعيننا
أبدا. هو لا ينظر إلا إلى نقودي وأنا لا أهتم إلا بالتذكرة التي ستمتد بها يده.
بالنسبة له، أنا راكب أخر، وهو بالنسبة لي رجل التذاكر! لو استبدلوه بماكينة ما
تغيّر شيء! فكرت ذات مرة أن أشكره..لم يَرُدّ، لعله لم يصدّق. الأشخاص الذين تراهم
في المحطة ليلًا مختلفون. قليلا ما تلتقي الأعين مع أحدهم في زحام النهار..إلا ما
يكون أحيانا من تلاقٍ غير مبرر مع عيون إحداهن..تلتقي العيون وتحدّق كل عين في
الأخرى كأننا نبحث عن شيء أو نريد التأكد من شيء! بعد ثواني تختار إحداهما ان تبعد وكأنها
تمزق أول سطور قصة مازالت خيوطها غير مكتملة في عقل كاتبها..عندما أبدء بالبعد
يكون ذلك خوفًا من الاضطرار للتبرير أو تحمل النتائج!
عندما لا ترى إلا قليلا من الناس على طول الرصيف، يختلف الأمر..لا بد أن
يتفحص الجميع بعضهم. الدقائق التى تمر انتظارًا للقطار ليست كغيرها..أشعر بالوحدة..بالوَحشة..كأنني
خارج العالم. محطة القطار ليست أي مكان..لا تنتمي لأي مكان..إنها مكان بين
الأمكنة..لحظة ساكنة بين زمنين. في المحطة لا مسؤوليات..أقطع ألاف العهود
والوعود..أزرع ألاف الأحلام..أحقق كل الأفكار و أُظهر كل المشاعر. أواجه أخطائي..أبارز
أسوأ ما في! كأنني أقابل ذلك الجزء مني الذي أخشى أن أقابله..
في ذلك اليوم عند منتصف الليل تقريبا، وبعد أن تبادلت نظرات الريبة مع
الأخرين في المحطة، أخذت أتجول على الرصيف كعادتي ذهابا وإيابا..كانت الوحشة أشد..بدا
الرصيف أكثر طولا واتساعا..وكأنه غاص في عمق الأرض أكثر..في كل إتجاه أنظر فلا أجد
إلا أجزاء معدنية أو اسمنتية أو خشبية..لا توجد حياة! حتى الناس لا يُظهِرون
حياة..فهم مجرد عناوين قصص لن أقرأها أبدا..مجرد أمثلة أخرى من جنسي..التوجس يبننا
أكثر من أي شىء أخر..
لم أرها في ذلك اليوم وكنت أعلم أنني لن أراها لأيام. كنت كلما تذكرت ذلك
شعرت كيف لا يكون هناك معنى للوقت الذي يمر..هناك أوقاتا تمر..وهناك أوقاتا تصبح
جزءا منا..أوقاتا تبقى..حين تكون بعيدة، اللحظات لا تبقى..كل لحظة ليست فيها مجرد
دفعة أخرى للأمام على طريق الموت. على رصيف محطة القطار..حيث المكان والوقت لا
يكونان، لا يصبح فقدها مجرد فكرة مؤلمة..بل..أكون أنا..افتقادي لها!
يأتي القطار..أصعد إليه..أوشك أن أترك ذلك المكان الذي لا يوجد..إلى مكان
ما. أختار أبعد مكان في العربة الكبيرة الخالية لأجلس. في ذلك اليوم صعد أحدهم. رأيته
يترك كل المقاعد الخالية ويأتي ليجلس أمامي. نظرت إليه في نفس الوقت الذي نظر إلي ثم
أبعدنا أعيننا. لماذا ننظر؟
إذا كنا لا نريد شيئا ولن نفعل شيئا بعد التطلع في الوجوه، فلماذا ننظر؟ كم
مرة يحدث ذلك ثم ينتج عنه شيئا ما مختلف بناءا على النظر إلى الوجه؟! هل فقط نريد
التأكد أنه إنسانا ذلك الذي يحيط بنا؟ هل نتأكد من عدم وجود شىء ظاهر ربما يكون
مصدر قلق لنا؟ وهل تكفي نظرة واحدة للتأكد من أن ذلك الشخص ليس خطرا على أي حال؟ هل نستريح إذا وجدناه صغيرا أو ضعيفا أو ربما
حسن المظهر أو غير مكترث؟!
كان الرجل يحمل حقيبة كتلك التي يحملها الكثيرون-مندوبي المبيعات والمدرسون
وغيرهم-ولكنها بدت غير نظيفة. لم يبدو عليه أنه أحد هؤلاء..لم تكن هيئته تدل على
ذلك. لماذا ترك كل المقاعد في طريقه إلى أخر العربة حيث مكاني؟ ماذا لو كان معه
سلاح ما في تلك الحقيبة؟ أحمل جهازي النقال في يدي ومن السهل استنتاج أنني أحمل
بعض النقود أيضا. لم يكن في العربة إلا ثلاثة اشخاص..ولا يبدو أن أحدهم سيعرض
حياته للخطر إذا هددني الرجل لسرقة النقود.
ماذا ينتظر؟ توقف القطار في المحطة التالية..كان الرجل يمسك بالحقيبة
ويجذبها نحوه كلما انزلقت مع تحرك القطار. وددت لو صعد عند تلك المحطة أشخاصًا
أكثر..ربما يثنيه ذلك عن عمل ما ينويه ويجنبنا المواجهة. سأواجهه على أي حال. نزل
رجلان وصعدت سيدة تمسك في يدها ابنتها الصغيرة. اصبحوا رجلًا وامرأة وبنتا صغيرة! ما
إن انطلق القطار حتى جذب الرجل الحقيبة وفتحها وأخرج شيئا..كنت أتابعه دون أن أنظر
مباشرة إليه..نظرت في اتجاهه بسرعة فإذا به يخرج ما بدا مثل إبرة صغيرة وضعها بين
أسنانه! نظر إليّ بعدم إكتراث ثم أبعد وجهه بعيدا.
نظرت من النافذة فإذا بالقطار قد وصل إلى محطتي..قمت دون أن أن أنظر إلى
الرجل وخرجت من القطار إلى المحطة ثم إلى الشارع.
مع كل درجة من درجات السلم إلى أعلى نحو الشارع أشعر باقترابي للوصول لمكان
ما..وأشعر بالوقت يمر من جديد..
أتذكر أن عليّ أن أستيقظ مبكرا للعمل..نعم إن لدي عمل..ألاف الخطط..
أتذكر أن عليّ مساعدة صديقي الذي كنت عنده..
أتذكر أنني يجب أن أتحدث مع أحدهم على الهاتف ..
وأعلم أنني يجب أن أتعلم القيادة، وأقرأ ذلك الكتاب، وأتعود على النوم
مبكرا، وألتزم أكثر بما قمت بالتخطيط من أجله، وأن أتعلم الألمانية، وأذهب لطبيب
الأسنان، وأحافظ على الجري يوميا...ويعود عقلي كمحطة قطارات مزدحمة بها ألاف
الأشخاص وألاف القطارات التي لا تاخذ الناس لأي مكان!
وأتذكرها..ليست الفكرة..بل هي!
وللحظة أتذكر تلك الدقائق في المحطة..كاد أن يحدث شيئا تلك المرة!!!