لم يعرف الصبى لماذا لم يكن يشعر بثقل جسمه المعتاد وهو يقفز على درجات السلّم..كانت قفزته أعلى وجسمه أخفّ! شعر كأن قدميه لا تلمسان الأرض. شعر بجوع وعطش شديدين..شعر بأصل الخوف!
لم يكن يذكر إن كان قد أكل شيئا ذلك الصباح..لم يكن متأكدا أنه كان هناك صباحا ذلك اليوم!
عندما التقى الصبية فى الشارع الذى بدى واسعا وطويلا جدا وبدت مبانيه عالية تحجب الشمس والسماء، كان ما زال لا يشعر بقدميه..كان لا ينظر وراءه حتى بعد أن ناداه أحدهم من خلفه ونطق بكلمات لم يسمعها..لم يغضب منه الصبي وأتى أمامه وقال له كلمات لم يسمعها ولكنها بدت كلمات طيبة على غير العادة..كان ما زال ينظر أمامه كأنه لا يراهم وأنظارهم جميعا مثبتة عليه دون أن يدري. لعبوا الكرة، كان يجرى أسرع..كاد يؤذي أكثر من صبي..كان يجري فى كل الإتجاهات. تركوه يفعل ما يريد.كانت ساعات النهار تنقضي وهم يجرون فى الشوارع ويلعبون كل ألعابهم وأعينهم مازالت تتابعه. وقع على الأرض كثيرا، اتسخت ملابسه واُصيب بعدة جروح فى يديه وقدميه..لم يكن يشعر بشىء.
لم ينطق بكلمة واحدة..لم يكن يذكر أي كلام..لم يكن محتاجا لأي كلام! خطر فى باله لثوانٍ أن أحدا لم يناديه..أحداً لم يذكره..ولكنه لم يكن متأكداً أنه يعرف أحداً ليذكره!
هل يعرف هؤلاء الصبية؟ أين ومتى تعلم تلك الألعاب؟ مرّت الساعات وهم يتنقلون من شارع إلى شارع..كان أبعد ما يذكره هو هرولته على سلم المنزل ذلك الصباح..كان كلما حاول تذكر ما قبل ذلك شعر كأنه يكاد ينزلق من فوق سور عال..فيتوفق ويعود إلى الشارع وإلى الصبية!
لم يرفض أي شىء قدموه له..أكَل وشَرب كثيرا..كان يشعر بالبرد كأنه لا يرتدي شيئا..
كلما مر الوقت، ومع تسلل الليل، كان أحد الصبية يعود إلى بيته..حتى تركه أخرهم مودّعا له بكلمات كتلك التى كانوا يقولونها طوال اليوم!
مرت لحظات قبل أن يسمع من ينادى اسما من وراءه، استدار دون تفكير ورأى وجوها مألوفة..وشعر أنه ينزلق من فوق السور العالي!
...
كان يقف بين وجوه عابسة على أجساد ضخمة..السماء أبعد..الأرض ليست ثابتة..كل الأصوات عالية..كان يتنفس فراغا! هَوَت ذاكرته! لم تكن هناك بداية يوما ما!
"...اللى خلِّف مامتش!"

No comments:
Post a Comment