Saturday, August 21, 2010

الكلام من أجل الكلام


كنت قد وصلت للتو عند صديقى فإذا بجرس الباب يرن وبعد دقائق يدخل شاب عرفت بعد ذلك أنه أحد الأقرباء. بعد التحية والسلام والإبتسامات إياها جلسنا وذهب صديقى ليُضيِِّفنا. توقعت أن يتأخر صديقى، كالعادة، حتى يأتى لى بما نأكله أو نشربه. تأخر حتى أصابنى الشك أنه كان موجود بالبيت أصلا حين أتيت! أثناء انتظاره عادة ما اسمع صوت غسالة و مكنسة كهربائية وخلاط، ثم أجده يأتى لى بالشاى والجاتوه. (مش مشكلة...أعرف أحدهم لديه ما هو أغرب من ذلك!) ه

لا توجد أى مشكلة أن انتظر صديقى بمفردى، فهناك ألف مشكلة ممكن التفكير فيها خلال غيابه أو حتى مجرد الصمت والسكون لترشيد الطاقة والتوحد مع الكرسى والإستسلام للجاذبية. أما مع وجود هذا الغريب فلا ينفع الصمت. عادة ما يستلزم الأمر صمت و "طناش". أنا لن أبدأ الكلام على أى حال، فقط لو أصابته أزمة قلبية أو شىء من هذا القبيل. ه

وبعد دقائق من العبث فى الموبايل والإلتفات يمينا ويسارا (توهم صاحبنا خلالها لأكثر من مرة أننى سأبدأ الكلام فاشرأبّت عنقه فإذا به يسمع مزيدا من الصمت)، جاء صديقى بالشاى. (و كنت قد سمعت صوت "شنيور" منذ قليل!) ه

نظر الضيف إلى صديقى نظرة سائق التاكسى إلى أول زبون له فى اليوم، تخيلت أنه سيقوم ليعانقه! ه

حاولت جاهدا أن أعوّد نفسى على كلام المجاملات والكلام من أجل الكلام فى مناسبة كهذه. والنتيجة فشل ذريع وكوميديا سوداء وزيادة فى معدل نوبات الصداع النصفى. ماذا يمكن أن يفيد كلاما مع شخص غالبا لن أراه بعد اليوم. ولو رأيته فى الشارع لن أتذكر وجهه. بالطبع لو تكلّم هو سأرد عليه ولكننى سأظل متحفظا كعادتى. الكلام ليس كأن تعبث بيديك بورقة شجر جافة على الأرض إنتظارا لأحدهم، بل هو إنشاء لعلاقات و تكوين لخبرات وإعلان لمواقف. بما يؤثر الإنسان فى الكون إلا بعدد محدود من الأفعال والكلمات؟ الكلمة هى بنت الفكر والفكر هو ميزة الإنسان، فلا يجب إهدار الكلام واستخدامه كالهدايا للمجاملات! ه

ه(كنت عند نفس الصديق ذات مرة فى مناسبة ما فسأل أحد أقارب صديقى شيخا كنا نتردد عليه فى تلك الفترة سؤالا فقهيا فقال له الشيخ "لا أعرف"! لم يكن الشيخ ليجهل ذلك السؤال أبدا! أدركت سبب ذلك فورا--ألقى الرجل السؤال وكأنه يطلب من مغنى أغنية. ظن الرجل أنه بما أن الشيخ موجود معنا فنسأله عن أى شىء! كان الشيخ يدرك أن الوقت ليس وقت فتوى وأن الكلام فى الدين ليس كأى كلام والعبرة ليست فى مجرد تلفظ الكلمات، ولكن الحكمة تقتضى أن يقال الشىء المناسب فى الوقت المناسب وللشخص المناسب.) ه

لم نكد ننتهى من الشاى حتى رن جرس الباب فإذا بغريب أخر يأتى ويأخذ أخر قدر من إبتسامات المجاملة التى أستطيع تحملها فى يوم واحد! وطبعا بعد الترحيب به ذهب صديقى ليأتى بالشاى إياه--لم أسمع أى شىء يدل على أن صاحبى يحضر شيئا، أصابنى القلق ولكنه ظهر بعد دقائق مبتسما ومعه كوب من العصير، وما أن وضعه حتى سمعنا صوت طرقعة، فزع الضيفان ولكنهما أطمئنا لما وجدانى هادئا وذهب صديقى ليتبين مصدر القلق. لم تمر إلا ثوان حتى تكلم الضيفان وتعارفا وتطرقا للكلام عن صديقى وعن الجو وعن الأسعار وعن الحكومة وعن المشكلات الزوجية. فى البداية كان يوجه الضيف الثانى إلىّ الكلام بنفس القدر الذى يوجهه إلى الضيف الأول (كنت على يمينه والضيف الأول فى مواجهته وصديقى على يساره). فعندما أدرك أن الناحية اليمين لا تعمل، ركّز على اليسار والمواجهة. كان الضيف الأول يوافق الثانى على كل ما يقوله تقريبا. (طبعا إحنا قاعدين شوية حلوين مع بعض فمش لازم نختلف، مش لازم نتناقش، أهو شوية كلام وخلاص: الأسعار نار-أيوه طبعا نار جهنم، الحكومة بنت ستين-طبعا بنت سبعين واحتمال تمانين كمان، الجواز حاجة تخنق-يا سلام بص دة معلم فى رقبتى أهوه، مفيش فايدة فى البلد دى-طبعا مفيش فايدة إشرب الشاى بقى!) ه

لم يكن الضيف الثانى مسالم كالأول، أصبح كلما يفتح موضوع ينظر إلىّ نظرة متشككة بجانب عينيه--فكرت للحظات أن أشترك معهم فى الحوار ولكننى وجدت أننى سأختلف معهم فى كل ما يقولون، وسيكون علىّ إيضاح وجهة نظرى ومجادلتهم، ولكنهم لم يكونوا يتحاورون، بل كانوا يقولون ما يريحهم أن يقولونه وما وجدوا أباءهم يقولونه فى تلك المجالس، فقررت ألا أتكلم. ه

وكانت المفاجأة عندما قال الضيف الثانى بعد أن نفد صبره وهو ينظر إليّ مبتسما "أنا بقلق من الناس الساكتة دى!" فقلت له مقلدا نفس الإبتسامة "أنا بس شايف إنك جاى النهارده نِفسك تتكلم، فقلت أدّيك فرصة!" ه

بعد أن انصرف الضيف الأول تبيّن أن صديقى قد دعانا ليستشيرنا فى أمر ما وبعد أن فرغ من عرض الموضوع بدأتُ الكلام. كنت ألمح بجانب عينى الضيف (وقد أصبح على يمينى الأن بعد أن انتقلنا إلى حجرة أخرى) وهو ينظر إلىّ فاغراً فاه ولم يسعه بعد ذلك إلا أن يتفق معى فى كل ما أقوله و يبنى عليه! ه

ترى هل سأضطر يوما ما أن أتكلم لمجرد الكلام؟! هناك إحتمال واحد فقط!!! ه

Sunday, August 8, 2010

أرثيك الأن فى عامى الخامس والثلاثين

أرثيك الأن فى عامى الخامس والثلاثين
أرثيك فى عُمرٍ أتاك فيه اليقين
أرثيك يا من لم تَرَنِ أطاولك فى البنيان
يا من لم تشاركنى أفراحاً ولا أحزان
أرثيك يا من كاد يغلبه النسيان
يا مفقود وموجود وخيال وعَيَان
أرثيك يا سبب الوجود! ه

أرثيك الأن فى عامى الخامس والثلاثين

أرثيك يا من لم أحكى له أول قصص الغرام
يا من لم تخبرنى عن الحقيقة والأوهام
يا من لم تُجبِر لحظات الانكسار
يا من ذهبت بليلٍ فوأدت النهار
اشتقتُ للنوم العميق على الأريكة فى انتظارك
اشتقتُ للوقت اليسير الآمِن فى جوارك
أرثيك يا دليل الموت! ه

أرثيك الأن فى عامى الخامس والثلاثين

أرثيك فى عُمرٍ كم أحتاج إليك فيه
أرثيك فهل يشفع رثائى لدى شوق أعانيه
أرثيك وأرثى صبياً قد رحل حين رحلت
أرثيك وأرثى حُلماً أنك ما مُت
أرثيك يا من يتجدد موته كل يوم
ألومك فألوم نفسى، فعلى ما هذا اللوم؟! ه

أرثيك يا أبى..الأن فى عامى الخامس والثلاثين! ه

Tuesday, August 3, 2010

مدرس؟...أنا؟! (2) ه

مدرس؟...أنا؟! (1) ه

أصبح شاغلى فى الدقائق التالية ونحن فى طريقنا كيف أستطيع أن أعاقب ذلك المدرس، لم أجد شىء أكثر إيلاما من أن أدفع له، فى حالة العودة، أجرة التاكسى (الذى لا يوجد به إلا مكان للسائق، سيكون عليه أن يتصرف مع السائق بطريقة ما!) وأعود أنا فى العربة الطائشة. ه

أثناء سيرنا رأيت وجها بدا مألوفا على نحو غير مؤكد. حسبت الأمر فى البداية ’ديچا ڤو‘ ولكننى استطعت فى الأخر أن أميّزه...إنه الرجل الذى اصطدم فى باب العربة. كان فى وجهة أكثر من علامة تدل على أن أكثر من عربة قد مرت به أوعليه فى الطريق. ه

كان رفيقى حريصا جداً منذ بدأنا السير أن ينبهنى لأشياء معينة فى الطريق—مكوجى، كوافير، عمارة تحت الإنشاء، عمارة تحت الأنقاض. وصارحنى بعد خمسة دقائق من المشى أننى سأحتاج تذكر تلك العلامات لأننا سنمشى لحوالى 25 دقيقة والشوارع تشبه بعضها إلى حد كبير. لم أكن أحتاج لتوصية على أية حال فقد تعودت على بذل مجهود كبير لتذكر بعض العلامات فى الطرق لأن ذاكرة الأماكن عندى لا يعادلها فى السوء إلا ذاكرة الوجوه! ه

وبينما نتحسس خطانا بحذر فى بركة مياه فى الشارع الذى يوجد به البيت المقصود، قال صاحبى "وعامةً أنا معلِّم البيت بحاجة شخصية شوية، أول ما ببدأ ’انهج‘ فى الشارع ده، بعرف إنى قرّبت أوصل"، ضحكت ونظرت إليه فوجدت نظرة جادة على وجهه، لم يكن يمزح! ه

وصلنا إلى البيت، نادى صاحبى فأجابه صوت إمرأة من أعلى ثم بعد دقائق فُتِح باب البيت لتظهر فتاه ناضجة علمت فيما بعد أنها تلميذتى، كانت فى المرحلة الإعدادية ولكنها كانت قد تأخرت فى التعليم. صعدنا إلى الدور الثانى فإذا بوالدتها فى إستقبالنا. جلسنا جميعاً للحظات وبدا الأمر كأننى فى كشف هيئة، وعندما همّت الأم بالكلام سيطر علىّ تصور أن الجملة التالية ستكون "إحنا مش عايزين حاجة، إحنا بنشترى راجل!" ه

ه"الأستاذ بيشكر فيك جداً وبنتى نبيهة وإن شاء الله تكون شاطرة فى الإنجليزى" قالت الأم ذلك بعد عدة دقائق كنت متأهباً فى كل لحظة فيها للجرى من الباب بأقصى سرعة. إذن فقد نجحتُ فى كشف هيئة المدرسين وتبين بعد ذلك أن البنت كانت مخطوبة. ه

انتهت الحصة فانصرفت لست متأكدا إذا كنت قد أعطيت تلك الفتاه درساً أم أعطتنيه! ه

بعد عدة أيام جاء ميعاد الحصة الثانية، وبعد النجاه من العربة الطائشة، بدأت رحلة السير. هذا هو المكوجى "هو كان المكوجى ده ولا الحلاق ده؟!"، "هو إحنا مشينا فى الشارع اللى فيه الحفر ولا اللى مافيهوش؟". اختلطت كل العلامات! وبعد نصف ساعة من التجربة والخطأ وصلت للشارع الطويل الذى يوجد فيه البيت. ولكننى لم أكن قد ميّزت البيت بأى علامة. وقفت للحظات أفكر فيما يجب فعله، لم يكن ممكنا بطبيعة الحال ألا أذهب فى ثانى حصة. ه

وبعد عدة دقائق من الحيرة تذكرت ما قاله رفيقى عن النهجان، قاومت الفكرة فى البداية ولكن لم يكن هناك أى دليل لدى غير ذلك. كانت التجربة كلها غريبة، فما الضرر أن أجرب هذا الهراء؟! مشيت منتظراً أن يبدو علىّ بعض التعب (فأنا لن أنهج مع المشى على أى حال). وبعد مرور وقت لم يبدو لى كثيرا جداً حينها وبعد أن صارت المشاهد حولى غير مألوفة بالمرة (هل قابلنا ترعة فى المرة السابقة؟!) قررت أن أسأل أحدهم: ه

ه"لو سمحت حضرتك هو ده شارع ايه؟" ه

وقبل أن يرد علىّ الشخص الذى سألته، بادرنى أحد المارة الذى بالكاد سمع سؤالى بعد أن تخطانا ببضع خطوات: ه

ه"إنت عايز تروح فين يا أستاذ؟...عامة كدة المرج وكدة الخانكة" ه

ه"الخانكة؟!" لم أكن أعرف حينها أن تلك المنطقة ستكون أكثر ألفة بالنسبة لى بعد شهور قليلة! ه