كنت قد وصلت للتو عند صديقى فإذا بجرس الباب يرن وبعد دقائق يدخل شاب عرفت بعد ذلك أنه أحد الأقرباء. بعد التحية والسلام والإبتسامات إياها جلسنا وذهب صديقى ليُضيِِّفنا. توقعت أن يتأخر صديقى، كالعادة، حتى يأتى لى بما نأكله أو نشربه. تأخر حتى أصابنى الشك أنه كان موجود بالبيت أصلا حين أتيت! أثناء انتظاره عادة ما اسمع صوت غسالة و مكنسة كهربائية وخلاط، ثم أجده يأتى لى بالشاى والجاتوه. (مش مشكلة...أعرف أحدهم لديه ما هو أغرب من ذلك!) ه
لا توجد أى مشكلة أن انتظر صديقى بمفردى، فهناك ألف مشكلة ممكن التفكير فيها خلال غيابه أو حتى مجرد الصمت والسكون لترشيد الطاقة والتوحد مع الكرسى والإستسلام للجاذبية. أما مع وجود هذا الغريب فلا ينفع الصمت. عادة ما يستلزم الأمر صمت و "طناش". أنا لن أبدأ الكلام على أى حال، فقط لو أصابته أزمة قلبية أو شىء من هذا القبيل. ه
وبعد دقائق من العبث فى الموبايل والإلتفات يمينا ويسارا (توهم صاحبنا خلالها لأكثر من مرة أننى سأبدأ الكلام فاشرأبّت عنقه فإذا به يسمع مزيدا من الصمت)، جاء صديقى بالشاى. (و كنت قد سمعت صوت "شنيور" منذ قليل!) ه
نظر الضيف إلى صديقى نظرة سائق التاكسى إلى أول زبون له فى اليوم، تخيلت أنه سيقوم ليعانقه! ه
حاولت جاهدا أن أعوّد نفسى على كلام المجاملات والكلام من أجل الكلام فى مناسبة كهذه. والنتيجة فشل ذريع وكوميديا سوداء وزيادة فى معدل نوبات الصداع النصفى. ماذا يمكن أن يفيد كلاما مع شخص غالبا لن أراه بعد اليوم. ولو رأيته فى الشارع لن أتذكر وجهه. بالطبع لو تكلّم هو سأرد عليه ولكننى سأظل متحفظا كعادتى. الكلام ليس كأن تعبث بيديك بورقة شجر جافة على الأرض إنتظارا لأحدهم، بل هو إنشاء لعلاقات و تكوين لخبرات وإعلان لمواقف. بما يؤثر الإنسان فى الكون إلا بعدد محدود من الأفعال والكلمات؟ الكلمة هى بنت الفكر والفكر هو ميزة الإنسان، فلا يجب إهدار الكلام واستخدامه كالهدايا للمجاملات! ه
ه(كنت عند نفس الصديق ذات مرة فى مناسبة ما فسأل أحد أقارب صديقى شيخا كنا نتردد عليه فى تلك الفترة سؤالا فقهيا فقال له الشيخ "لا أعرف"! لم يكن الشيخ ليجهل ذلك السؤال أبدا! أدركت سبب ذلك فورا--ألقى الرجل السؤال وكأنه يطلب من مغنى أغنية. ظن الرجل أنه بما أن الشيخ موجود معنا فنسأله عن أى شىء! كان الشيخ يدرك أن الوقت ليس وقت فتوى وأن الكلام فى الدين ليس كأى كلام والعبرة ليست فى مجرد تلفظ الكلمات، ولكن الحكمة تقتضى أن يقال الشىء المناسب فى الوقت المناسب وللشخص المناسب.) ه
لم نكد ننتهى من الشاى حتى رن جرس الباب فإذا بغريب أخر يأتى ويأخذ أخر قدر من إبتسامات المجاملة التى أستطيع تحملها فى يوم واحد! وطبعا بعد الترحيب به ذهب صديقى ليأتى بالشاى إياه--لم أسمع أى شىء يدل على أن صاحبى يحضر شيئا، أصابنى القلق ولكنه ظهر بعد دقائق مبتسما ومعه كوب من العصير، وما أن وضعه حتى سمعنا صوت طرقعة، فزع الضيفان ولكنهما أطمئنا لما وجدانى هادئا وذهب صديقى ليتبين مصدر القلق. لم تمر إلا ثوان حتى تكلم الضيفان وتعارفا وتطرقا للكلام عن صديقى وعن الجو وعن الأسعار وعن الحكومة وعن المشكلات الزوجية. فى البداية كان يوجه الضيف الثانى إلىّ الكلام بنفس القدر الذى يوجهه إلى الضيف الأول (كنت على يمينه والضيف الأول فى مواجهته وصديقى على يساره). فعندما أدرك أن الناحية اليمين لا تعمل، ركّز على اليسار والمواجهة. كان الضيف الأول يوافق الثانى على كل ما يقوله تقريبا. (طبعا إحنا قاعدين شوية حلوين مع بعض فمش لازم نختلف، مش لازم نتناقش، أهو شوية كلام وخلاص: الأسعار نار-أيوه طبعا نار جهنم، الحكومة بنت ستين-طبعا بنت سبعين واحتمال تمانين كمان، الجواز حاجة تخنق-يا سلام بص دة معلم فى رقبتى أهوه، مفيش فايدة فى البلد دى-طبعا مفيش فايدة إشرب الشاى بقى!) ه
لم يكن الضيف الثانى مسالم كالأول، أصبح كلما يفتح موضوع ينظر إلىّ نظرة متشككة بجانب عينيه--فكرت للحظات أن أشترك معهم فى الحوار ولكننى وجدت أننى سأختلف معهم فى كل ما يقولون، وسيكون علىّ إيضاح وجهة نظرى ومجادلتهم، ولكنهم لم يكونوا يتحاورون، بل كانوا يقولون ما يريحهم أن يقولونه وما وجدوا أباءهم يقولونه فى تلك المجالس، فقررت ألا أتكلم. ه
وكانت المفاجأة عندما قال الضيف الثانى بعد أن نفد صبره وهو ينظر إليّ مبتسما "أنا بقلق من الناس الساكتة دى!" فقلت له مقلدا نفس الإبتسامة "أنا بس شايف إنك جاى النهارده نِفسك تتكلم، فقلت أدّيك فرصة!" ه
بعد أن انصرف الضيف الأول تبيّن أن صديقى قد دعانا ليستشيرنا فى أمر ما وبعد أن فرغ من عرض الموضوع بدأتُ الكلام. كنت ألمح بجانب عينى الضيف (وقد أصبح على يمينى الأن بعد أن انتقلنا إلى حجرة أخرى) وهو ينظر إلىّ فاغراً فاه ولم يسعه بعد ذلك إلا أن يتفق معى فى كل ما أقوله و يبنى عليه! ه
ترى هل سأضطر يوما ما أن أتكلم لمجرد الكلام؟! هناك إحتمال واحد فقط!!! ه
