Saturday, July 10, 2010

لا..لا..لا، اقولك أنا بقى، بص يا سيدى

لم تخلو دائرة معارفى فى أى مرحلة من المراحل من تلك الشخصية الكاريكاتورية التى لن تستطيع إيقافها إذا بدأت الكلام فى موضوع، وأحيانا أكثر من موضوع، معين؛ تلك الشخصية المغرمة بتخزين المعلومات واسترجاعها فى لحظة. ه
يتمتع ذلك الشخص بحاسة سمع حادة وفهرس للموضوعات المخزنة، وما أن تنطق ببعض الكلمات الدالة حتى يهبط عليك سيل من المعلومات التى لن تستطيع إلا سماعها. (وغالبا ما يتكلم هؤلاء الأشخاص بأيديهم ولن يتركوا لك الفرصة حتى للإلتفات بحثا عن ما تضربهم به فوق رؤوسهم تماما فتصيب مركز تخزين المعلومات ومركز الكلام.) ه

كم وددت أن تصبح رأس من قابلت من هذه النوعية على مدى سنوات قرص تخزين كمبيوتر فاستطيع أن "أفرمَته" أو أضع بعد كل رأس موضوع فى عقله جملة "وإذا أردت معرفة المزيد، يمكنك الرجوع لكتاب كذا..."! ه

لو أمكننى ذلك لتجنبت سماع شرح تفصيلى (وأحيانا بالرسومات التوضيحية) لنظام ولاية الفقيه فى إيران من أحدهم لأكثر من مائة مرة خلال عدة سنوات عرفته فيها! (أخر مرة رأيته فيها كان يشرح ذلك النظام لصاحب عربة تين شوكى أسفل بيتنا. لم أره بعدها، كما لم أرى صاحب العربة ولا حتى العربة، فقط التين من غير القشر أو الشوك بالقرب من مكان الحادثة!) ه

وما زلت أتساءل بماذا انتفع صاحبنا من المعرفة التفصيلية عن الأنظمة السياسية المختلفة ومن الحفظ التام لدقائق المعلومات الواردة فى الجرائد؟ لم ألمس فيه شخصا صار أفضل ولا فكرا أكثر تطورا ولا سلوكا أرقى ولا رؤية أشمل للمعضلات التى نواجهها؛ لم أرى تغييرا فى حياته ينمو مع معلوماته (ولا أقول معرفته) أو فى حياة من حوله (ربما بإستثناء بائع التين الذى قد يكون غيّر حياته بإنهائها!) ه

المعلومة الوحيدة التى لم يستطع حفظها ذلك النوع من الناس (أو ربما حفظها ولم يعرفها حق المعرفة)، ربما لإنها تهدم أسلوب حياتهم كله، هى أننا أصبحنا فى عصر قد تجاوز الإنشغال بحفظ الإنسان للمعلومات واسترجاعها لما طوّر أنظمة تستطيع فعل ذلك بكفاءة لن يستطيع أى إنسان طبيعى بلوغها. وأصبح مقياس الإبداع والتطور هو توظيف تلك المعلومات للإرتقاء بأساليب الحياه وكذلك بسلوك الإنسان وأخلاقه. ه

إذا بدأ شخص ما حديثه الجاد معك بشىء مثل: "لا..لا..سيبك مالكلام ده كله، أقولك أنا بقى، بص يا سيدى .." ثم بدأ يتكلم بجسمه كله، ولاحظت حنقه عندما تطرف عينيك أو تلتفت إلتفاته يسيرة بعيدا عنه، وشعرت كأنه فى اللقطة التالية ستجده بجانبك على الكرسى ثم منه إلا مخك ربما من أذنك، فغالبا سيكون منهم! أنصحك حينها أن تجرى بأقصى سرعة ولا تنظر وراءك! ه

No comments:

Post a Comment