عندما كنت أعمل بالتدريس، اتصل بى أحدهم وأخذت منه ميعاد لنتقابل ويعرِّفنى البيت الذى كنت سأعطى فيه الدرس لإحدى البنات. كان مدرسا متأقلما جدا، أما أنا فكنت كلما عُرِض علىّ درس خصوصى شعرت بمشاعر متناقضة بين الإرتياح بسبب العائد وبين الضيق الذى كان ينتابنى وأنا اقتحم أحد البيوت حتى وإن كان مُرحّبًا بى فيه
ه(طبعا كان الترحيب بنسب متفاوتة وفى هذا قصص أخرى) ه
قابلت ذلك المدرس عند محطة مترو عزبة النخل، وأخذ يقوم بدور المرشد السياحى: "ممكن تأخذ تاكسى من دول بـ2 جنيه وممكن تأخذ العربية دى بخمسين قرش." لم استدل إلى الأن على ماركة ذلك التاكسى، أغلب الظن أنه كان صناعة محلية فى عزبة النخل، خاصة أننى لم أميّز مكانا للجلوس فى التاكسى بخلاف مكان السائق (بس برده بـ2 جنيه بس، يا بلاش!) ه
ركبنا فى العربة الأخرى. ركب رفيقى بسبب الخمسين قرش، أما أنا فلِأننى كنت مدركا إستحالة تواجد جسمين فى نفس المكان فى نفس الوقت—سواق التاكسى وأنا! كانت تشبه السيارة الربع نقل، الجزء الأمامى به مقعدان بالإضافة لمقعد السائق، والجزء الخلفى به مقاعد خشبية على جانبى العربة. لم تكن مكشوفة تماما، كان هناك قضبان حديدية مثبّتة ليتعلق بها (وربما فيها) الواقفون. صعدنا وجلسنا وانتظرنا إمتلائها حتى نتحرك. وبعد حوالى ربع ساعة شُغِلت كل الأماكن. كانت أحجام الناس تبدو ضخمة جدا قبل الصعود، ولكن ما أن يروا الأماكن المتاحة حتى أجدهم يجلسون دون معاناه وكأنهم ينكمشون...أى تأقلم هذا؟! ه
أعتقد أن المصريين لم يفيدوا من الخبرات الإنسانية قبلهم أكثر من إستفادتهم من خبرة التأقلم والتكيف مع الظروف الحياتية شديدة الصعوبة والغرابة. لدينا قدرة غير طبيعية على تطويع الأهداف والتطلعات والحقوق لتتناسب مع ما هو متاح أو موهوب لنا. يبدو الإنكماش فى وسائل المواصلات أقل غرابة بالنسبة لى! ه
بعد إمتلاء العربة بالبشر قاعدين وواقفين وأحيانا مائلين بزاوية 25 درجة، وجدت بعضهم يظهر على جوانبها على مستوى أعلى من مستوى الأرض. مددت رأسى بينهم فوجدتهم يقفون على ألواح معدنية مثبتة على جوانب العربة. بدا لى أكثر من منطقى حينها أن تنطلق العربة. لقد إمتلأت كل الفراغات المتاحة ووجدتنى أفكر: "لو لم تنطلق الأن، إذا فهى ليست عربة للنقل...أكيد هناك هدف أخر لركوب هذا العدد من هؤلاء المنكمشون فى هذه العربة الأتية من الماضى! كان ذلك يبدو منطقيا ومقلقا جدا!" ه
فى نفس اللحظة وجدت ثلاثة أشخاص على مقدمة العربة (الكبوت) أمام السائق الذى كان قد وجد أنه ليس من العدل استأثاره بكرسى وحده فأخذ شخص ما على يساره بعد أن فتح الأخير الباب حتى يستوعبه شبه المكان الفارغ، وكان الباب قد صدم شخص أخر كان مارا بجانب العربة...وقع الرجل ثم قام ولم ينطق أو يعترض، بدا وكأنه قد توقع الخبطة أو كان معتادا عليها. إلتف الرجل عائدا من حيث أتى، فإذا بالجانب الأخر من وجهه به أثار شديدة الشبه بأثار تلك الخبطة..."أكيد العربية كانت فى الإتجاه المعاكس إمبارح وكذلك هو!"، كنت أفكر وأنا أرى الرجل يسير مترنحا فى الإتجاه الذى أتى منه! ه
بعد صعود هؤلاء الثلاثة، لم يعد يدل على النهار إلا بعض الضوء الذى يدخل إلى العربة من أعلى، طبعا كان الضوء متناثرا بسبب هؤلاء المائلين بزوايا مختلفة! ه
وأقبل الليل فى الثالثة عصرا! كيف وصل أولائك أيضا فوق العربة؟ كانت بعض الإحتمالات عجيبة وأغلبها مشينة! لم يعترض أحد، ولم يقل أحد للسائق شىء من نوعية "يالّا يسطى كفاية كدة إحنا فى علبة سردين ولا ايه" أظن ذلك بسبب أن المقارنة مع علبة السردين كانت قد أصبحت قياسا مع الفارق، لأن السردين لا يشعر بما يحدث له فى العلبة، كما أنه يبيض ولا يلد! ه
تحركت العربة ولم أتبين بالطبع ما الحد الذى وصل إليه البشر فى محيطها. وتصورت المشهد من الخارج...مجموعة من بنى أدم على شكل عربة غريبة يسيرون فى الشارع! كانت العربة تسير ببطىء شديد، لدرجة أننى كنت أشك أنها تتحرك. ولكن كان يثبت تحركها إهتزاز الناس فى أعلاها وبالتالى تغير مصادر الضوء، وكذلك تغير الأصوات فى الخارج: "أومى يا بت علقى على الرز، أبوكى زمانه جاى"..."بس أنا مسكتلهاش، ودى تيجى فيّا ايه دى كمان" أين دخلت تلك العربة؟! ه
مع مرور الوقت، بدأ العالم يظهر بالتدريج مع هبوط ونزول وقفز وإختفاء وسقوط الركاب. (سمعت أكثر من واحد يصرخ "لأ مش عايز أنزل هناااا"). وأخيرا توقفت العربة. ه
ه"هل وصلنا؟" سألت رفيقى الذى بدا هادئا جدا وكأننا كنا فى رحلة باليخت على نهر التيمز! ه
هو: أيوة ده أخر العربية...هنكمل مشى إحنا بقى