من المفترض أن كل أنظمة الحكم وأساليبه تسير في إتجاه رفع رأي الشعب ليكون هو الحاكم الحقيقي. كانت الأهداف وراء أنظمة الحكم ونظرياته نبيلة أو على الأقل قد تكون توافرت النوايا الحسنة عند المنظِّرين والمبشِّرين، ولكن النهايات مؤلمة. الإشتراكية تنتهي إلى ديكتاتورية والرأسمالية إلى استعمارية واستعباد الناس بأشكال شتى! الكل يدعي سعيه لمنح السلطة للشعب..للجماهير. الكل يدعي معرفة مصلحتهم ووسائل إسعادهم. وعندما "يديِن" لهم الناس تبقى كلمتان فقط من كلماتهم: "منح" و"معرفة"، هم الذين يمنحون وهم الذين يعرفون..هم السادة العالِمين!
دائما، من يستطيع تحريك (أو تحييد) الجماهير لِنَيْل حقوقهم ورفع الظلم عنهم يُنَصِّب نفسه معلمًا ومرشدًا أبديا لهم؛ ودائما هناك تبريرات لكل خروج عن أي مبادىء أساسية أو أخلاقية رفعها دعاة تحرير الجماهير في بداية دعوتهم فإذا بِذُل الناس قد استُبدِل ولم يرتفع! عندما يتصدر أي فرد أو جماعة للتغيير ترفع الشعارات الرائقة التي لا يمكن الاختلاف عليها. لم يكن المستعمرون يصرحون لأنفسهم (ربما في البداية على الأقل) وبالقطع ليس لغيرهم أنهم سلّابين للحرية والحقوق والحياة، ولم يفعل ذلك دعاة الاشتراكية ولا يفعله دعاة الرأسمالية، وبالطبع لا يفعله المبشّرين بالديمقراطية...ولكن كلهم لا يعدمون المبررات عندما يستتب الأمر لهم. وليست أمثلة الثورة الروسية والثورة المصرية (52) ببعيدة. ولينظر أي عاقل كيف تنشر كل من إنجلترا وفرنسا وأمريكا (مصادر كل النظريات السياسية والاقتصادية والفلسفات الأخلاقية) العدل والخير والحق في أرجاء العالم!
في مصر الأن، أرى ذات القصة القديمة، قصة كل تغيير إنساني لا يستلهم سنن التغيير من وحي خالقه والأعلم به وبظواهر الأمور وبواطنها..قصة استغلال الناس ثم إبعادهم وتسفيه رأيهم! ولكن..أليس الأمر غاية الوضوح؟ كيف يقع المتصدرون فيه كل مرة؟ كيف سيقرأون هذا الكلام ولن يروا أنفسهم فيه ويصفون قائله بتعطيل التغيير، كما يصفون مبرراتهم بالأسباب الموضوعية الغير قابلة حتى لإعادة النظر فيها؟! والإجابة تبدو بسيطة للغاية: من منا لا يملك التبريرات لكل فعل قبيح يفعله، لكل طريقة فاشلة لا يزال يتبعها؟ من منا ليس على استعداد للكذب على الناس وعلى نفسه لو لزم الأمر ليثبت صواب رأيه وتميز عقله وبالغ حكمته؟ من منا لا يتحكم فيه هواه؟ ولكن..هناك من يجترأ على أن يعرض مصائر الناس لهواه وغروره. إلى أي مدى من الممكن أن يصل من لم يدرك حقيقة نفسه فيشفق من التصدر إلا بعلم وهدى ونور؟!
