استيقظت فى الصباح على صوت عم خليل الذى أصبح صوته يشبه إلى حد كبير الصوت الذى ينتج عن احتكاك إطارات السيارات بالأرض عند الفرملة. "اصحى يا عماد، الساعة بقت سابعة، قوم شوف شغلك يا ابنى، العَجَل جاى كله دلوقتى." ه
فتحت عينى على المنظر المعتاد للسقف واللمبة التى تتدلى منه من فوق رأسى فى أبعد ركن فى الجراچ. يتملكنى نفس الشعور المعتاد بالشفقة على حال تلك اللمبة الصغيرة التى تفقد قيمتها ودورها كثيرا مع بدايات النهار الأولى، يتضاءل نورها ويخفت وينحسر تأثيرها إلى أقل من حيِّزَها. حاصرها ضوء النهار وعلىّ الأن أن أنهى أحد أيام عمرها الإفتراضى بضغط يسير على المفتاح المتدلى من سِلك معلق بالحائط. ينطفأ نورها حينها بهدوء وبالتدريج حتى يتلاشى وكأنها تحاول التمسك بأخر فرص الحياه. ه
أحتاج خمسة دقائق لأُحايل ظهرى الذى يتيبّس من النوم على الأرض حتى أستطيع الاعتدال واقفا. وخلال تلك الدقائق أعود طفلا من جديد، أبدأ بالإستناد على يدى وركبتى وأحبو لأغلق الراديو الذى أسمع صوته بالكاد بعد أن كنت أسمعه بوضوح بالأمس على خلفية أفكار وأمال الليل قبل الاستغراق فى النوم، ثم أقف مترنحا ومتأهبا للحظة الألم المعتادة عند اكتمال الوقوف، ثم أسير بحذر إلى ذلك الركن الصغير فى الجانب الأخر من الجراچ...إلى ذلك المكان الذى يبدأ معظم البشر يومهم بدخوله. ه
أعود لأجد عم خليل قد جاء بإفطار كل يوم...أطباق الفول بالزيت الحار والسلطة والستة أرغفة وحفنة البصل الصغير. وطبعا وصّى على الشاى الذى يأتينا قبل انتهاءنا من الإفطار. لو تأخر الشاى بضع دقائق، سيأتى الليل فجأه وتُبعث اللمبة ويأتى صوت الراديو فى الخلفية وأعود جنينا مرة أخرى! ه
يستغرق الأمر ساعتين حتى أُتمِّم على السيارات وأغسل بعضها. ثم أجلس فى إنتظار من يأتون ليأخذوا سياراتهم أو ليضعوها فى الجراچ. ه
لا يوجد جديد. لا توجد تحديات. لا أشعر أن شىء ينقصنى. لا يتوقع منى عم خليل أو أصحاب السيارات الكثير، ولا أتوقع منهم الكثير، ولا أتوقع من نفسى الكثير. لا أفتقد أحد خارج الجراچ ولا يفتقدنى أحد. ه
ه"يا عماد.. يا عماد...فين الموبايل اللى كنت سايبه امبارح فى تابلوه العربية؟!" ه
أنا: صباح الخير يا ماهر باشا، موبايل ايه حضرتك، انا تممت على العربية امبارح وما كانش فيه موبايلات! ه
ماهر باشا: انت بتكدِّبنى يَالَه، فين خليل...يا خليل تعالى شوف البيه اللى باليتنا بيه، لو مطلعتوش الموبايل دلوقتى حالا هاوديكو فى داهية يا ولاد الـ...ه
ه(وانااااااا...أنا مش خرنج لا لا لا...أنا كينج كونج) ه
سمعنا تلك الكلمات فى ذهول تأتى من جهة ماهر باشا مُشوِّشَة على الشتائم ولكنها لم تكن تصدر منه، ليس من فمه (الذى كان يزرف الشتائم) على أى حال. وإذا به يمد يده إلى الحقيبة التى كان قد تركها وراء قدميه ويفتحها ليمسك بشىء ما، ظننت بعد رؤية تعبير وجهه وفمه الذى شغره على أخره انه سيُخرِج يده بفأر قد تعلّق بسبّابته، إلا أنه أخرج الموبايل! ه
نظرت إلى الجراچ وإلى السيارات التى بدأت تختفى واحدة تلو الأخرى! ه
لا...لن تصلُح هذه الحياه أيضًا. ه
انتهى حلم اليقظة! ه