Tuesday, March 26, 2013

المعركة الخطأ


كم من إنسان يقضي حياته في غمار المعركة الخطأ؟
كم من إنسان يفني عمره مدافعا عن الرأي الخطأ..واقفا في الجانب الخطأ؟
من منا يأمن أن لا يكون من هؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟
ترى هل من يحذر ذلك في كل لحظة وتراه مشفقًا على نفسه لائمًا لها غير مستبعدًا لضلاله وحبوط عمله..ترى أذلك أقرب ألا يكون ممن قيل فيهم أنهم يحسبون أنهم يحسنون أم أولائك الذين يسيرون في الأرض مرحًا خارقين الأرض متعالين بأفكارهم ومواقفهم..يأمنون ضلال الفكر وخطأ السعى وسوء المنقلب؟!
لم ينجو—على الأقل من خطأ الرؤية—بعض صحابة رسول الله. لعلهم قد أمِنوا سوء المنقلب لأنهم مشهود لهم من المصطفى المتّبع..ولعل لديهم ما يشفع لهم، أمّا غيرهم--وكلهم دونهم—كيف أمِنوا؟! كيف لا يطأطأ أحدهم الفكر قبل الرأس عندما يقول برأيه أو يحكم حكما؟!
وكيف يقع في افتقاد الحكمة من يدّعون أنهم يفقهون الدين أو يدعون الناس له أو يسعون لتحكيمه وظهوره؟!

لا أعرف الكثير عن الشيخ البوطي. ولكنني أعرف عنه وعن مدرسته ما كفى ليثير تلك الخواطر في رأسي؟

يقول ثائروا سوريا وربما أمثالهم في مصر ما يقولونه في عالِم يروْن أنه أخطأ (وقد يتمادى بعضهم في وصف فعله) في وقوفه ضد الخروج على الحاكم حتى في حالة سوريا المعروفة.

وأنا كنت -ومازلت-حائرًا إلى حدٍ ما بين طريقين يدّعي كل منهما أنه الطريق إلى الله. وربما لو أن شقاقهما قد اقتصر على وجود مثلي..لكان الأمر هيّنا؛ فإن كنت محتارًا بين طريقين إلى الله، فقد أدّى شقاقهما إلى أن تنشأ طرق عدة..يتيه فيها الناس. فأصبحتَ تجد الناس فريسة لكل فكرة وشهوة وهوى.

لعله منطقيًا أن تتهم عالمًا من المدرسة الأزهرية الصوفية أنه يمالىء الحُكّام كما كان ومازال يحدث في مصر وغيرها. ولعلك لا تفهم أسس تلك المدرسة..الشرعية منها والعقلية. لعلك لا تقتنع بعبارات مثل الكليّات والمقاصد وأسس تكوين العقل المسلم ودرأ المفاسد والحكم بأخف الضررين وغيرها.
ولعلك ترى أن العالِم بفتاويه يبتغي مغنمًا أو يتّقي مغرمًا..ولكن...
بلغ الشيخ البوطي، رحمه الله، الرابعة والثمانين من عمره ومات في مجلس عِلم. تُرى..ماذا كان يريد الشيخ في هذا العمر وتلك المكانة؟ هل هناك احتمالا إلا أن يكون قد اتخذ مواقفه انطلاقًا من رؤيته ليس طمعا في شيء ولا خوفا من شىء؟!

لست مؤهّلا للحكم الباتْ عليه ولا على غيره من علماءنا؟ ولكنني حتى لو لم أكن متفهّما لمدرسته، لتفكّرت! ولأعدت التفكير ألف مرة! لم أكن لأتّهم تلك المدرسة مطلقا دون أن أعطي لعقلي فرصة للتفكر والتدبر.

وإن تكن دعوى، فهي ألا يأمن أحد خطأه.

الكل يدّعي وصلا برسول الله وصحابته، ويتبارون بالحجج الشرعية والعقلية. يدافعون عن أراءهم كأنهم يدافعون عن ذواتهم..يتوحد مذهبهم ورؤيتهم وجماعتهم مع ذواتهم..إن ضاع المذهب ضاعت الذات. فترى الواحد منهم يستحل كل وسائل الدفاع حتى لو كذب على نفسه واعيا أو غير واعي.فكيف تلوم أحد على أي شىء يفعله للدفاع عن حياته وذاته؟! وذلك مورد الهلاك!
رأيتُ عُمَر يبتغي الحكمة ويبكي من المسئولية. ما يَقِرُ في عقلي وقلبي من مُجمل ما أدركته من سيرته صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه، أن قوتهم في الحق كانت مشفوعة بإشفاق على النفس.
وما لا يمكن أن يغفله عقلي هو أنهم إن كان قد كتب الله عليهم أن يختلفوا، وإن كانت هناك حكمة من اختلافهم الذي بلغ المدى، فهو أن نشفق على أنفسنا وأن نعي صعوبة اختبارنا..أن نلين لبعضنا..أن نلتمس الأعذار لغيرنا..وألا نثق في عقولنا ولكن في الله...الله.

نظرة إلى الكون وفي أنفسنا ونظرة في حال النجوم التي نهتدي بها وأعني صحابة محمد صلى الله عليه وسلم..إذا كان النظر على هدى فثمرته التخفف من أعباء التصدّر بالحكم على أحد أو الدفاع الأعمى عن فكرة. إذا كانت النظرة معصومة من الضلال وتلبيس الشيطان وهوى النفس، لا تتوحد النفس مع الرأي..وإنما تتوحد مع الحق، والحق ليس فينا وإنما خارجنا..نقصده ونبتغيه أينما كان ووقتما كان وعند أي إنسان كان وفي أي شىء كان. والحكمة مهيمنة على الحق..كيف يقصد الحكمة من لم يبلغ الحق. فما بين الباطل والحق ترك الهوى؛ وبين الحق والحكمة رجحان عقل وسمو روح وتوفيق حكيم عليم..ولا يؤتى ذلك إلا القليل!


وأنا كوْني قاصد لله (وأرجو أن أكون كذلك عنده) مُخاطب من كل التوجهات الدينية، صوفية وسلفية وغيرها. وإنني لأتمنى على الله أن تقر عيني يوما بأن يكونوا جميعا وغيرهم ممن يتصدرون للدعوة--قولا أو فعلا--غير أمِنين على أنفسهم من الهوى والخطأ وأن يحتوي الطرف منهم الأخر...على الأقل لتأليف قلب من هو مخطأ غير مُسرف في الغي...من سيبادر منهم بذلك سيكون هو الأوْلى بالإقتداء. .
أدعو الله لهم جميعا أن يَمُنَ الله عليهم بهدايتهم لحق أغفلوه أو دورًا لم يقوموا به أو لأقرب مما هم عليه رَشَدا.



وأي خسران في أن تجاهد في المعركة الخطأ!