كانت السيدة الشابة تقف منتظرة الأتوبيس الذى تستقله كل يوم إلى منزلها حيث الراحة ولملمة أطراف اليوم الذى يضيع معظمه فى عمل لا تفيده ولا يفيدها. يقوم هذا الأتوبيس القبيح المرهِق بدور المخلص من جميع أنواع البشر الذين تقابلهم كل يوم-حتى زملاء العمل والغرباء فى الشارع. كلهم أجزاء من تجربة يومية خالية من الهدف والمعنى. كانت عيناها تدور فى كل إتجاه باحثة عن شىء جديد أو فكرة جديدة تشغلها حتى يأتى الأتوبيس، ولكن كيف تأتى الأفكار الجديدة فى يوم منسوخ من أمسه ومعزول عن غده؟ ه
انتبهت السيدة فجأه إلى ابنتها الصغيرة التى كانت قد تعلقت بملابسها ولم تتوقف، كعادتها، عن اسئلتها الصعبة التى لا تنتظر إجابة احدها فتبدأ فى طرح أخر. ومع كل سؤال تستطرد فى قصة طويلة دائما ما يتخللها مشهد تمثيلى، وأغانى، وكلام عن زميلتها فى المدرسة و "عروستها" المفضلة. وتغضب بشدة إذا تجاهلتها أمها، ولا ترضى بمحاولات الأم تهدئة خيالها الغض ببعض الإجابات المقتضبة، وإذا نهرتها الأم تصمت لثوانى ثم تبدأ من جديد. تـسأل الصغيرة أسئلة تظن أمها أنها لن تفهم إجابتها إذا كان للسؤال اجابة أصلا؛ لم تتعلم الصغيرة بعد أن هناك أشياء يجب التوقف عن السؤال بشأنها. ه
"!ماما، هو فى صحيح حد وحش أوى كده زى اللى شوفته فى الفيلم امبارح؟"
كانت الطفلة تسأل وهى تنظر إلى أمها التى كانت تمسح عرق جبهتها بيديها، وتعيد بعض خصلات الشعر التى انزلق عنها غطاء رأسها إلى الخلف قليلا. أرادت الأم أن تنهرها ولكنها رأت الخوف فى عين الصغيرة فأجابتها "يا حبيبتى طبعا مفيش ناس زى دول، بُصِّى كدة كل الناس حلوين وطيبين". أطمئنت البنت لتلك الإجابة ثم أخذت تمارس هوايتها فى مداعبة كل من يمر بجانبها والإبتسام حتى لمن لا يشعر بوجودها. ولكن السيدة لم ترضى بما سمعت نفسها تقوله. و أخذت تفكر فى تلك الحوادث التى تسمع وتقرأ عنها كل يوم، تلك الحوادث التى دائما ما تفكر فيها وكأنها محصنة منها هى وكل من تعرفهم..هذه الحوادث تلم بالأخرين فقط! أعادتها الفكرة بسرعة وقوة وقسوة إلى محطة الأتوبيس فجذبت يد ابنتها بقوة ودون وعى فارتطمت البنت بأمها وكادت أن تقع فنظرت إلى أمها بتعجب، فهى لم تبتعد لدرجة ان تجذبها أمها هكذا ولم تفعل أكثر من شغبها المعتاد. ه
جاء الأتوبيس فصعدت السيدة بسرعة وهى بالكاد ترفع ابنتها قليلا فوق درجات السلم، ثم اجتازت الركاب أمامها تترنح بينهم ممسكة بيد ابنتها بقوة حتى القت بنفسها والبنت على المقعد التالى لمقعد السائق. شرعت فى البحث عن ثمن التذكرة و مدت يدها للسائق الذى التفت إليها وأعطاها التذكرة ومعها نظرة للصغيرة من عين بدت كعدسات تصوير. أرادت الأم أن تجذب عينيها عن عين السائق لكى تطمئن على ابنتها وقد فعلت ذلك بصعوبة وكأنها تحاول الاستيقاظ من كابوس. كانت الطفلة هى الأخرى ما زالت عالقة فى هذه العدسات التى لم تجد البنت لها فى ذاكرتها مثيل. أعطى السائق لها تذكرة واحدة وأعاد إليها ثمن التذكرة الأخرى مع ان البنت كانت تجلس على مقعد بمفردها. وكان هناك شيئا أخر يلمع فى يديه..كانت تلك قطعة من الحلوى يعكس غلافها ألوانا كتلك التى تعكسها عيناه. مد يده التى تحمل الحلوى فالتقطتها اليد الصغيرة. وبرغم الأصوات التى تصم الأذان لم تكن الأم تسمع إلا صوت فض غلاف قطعة الحلوى. تعالى صوت عميق فى عقلها يدفعها للإطاحة بهذه الهدية. غير أنها وبإستسلام تام أومأت برأسها للبنت لتتناول الهدية. فى كل الأحوال، لا يوجد أى منطق وراء رفض قطعة حلوى من رجل يداعب طفلة صغيرة. تناولت الصغيرة قطعة الحلوى ووضعتها فى فمها. ه
استدار السائق ونظر أمامه، ومازالت الأم تنظر فى إتجاهه وكانت ما زالت ترى عينيه تنظران إليها! واستندت الصغيرة إلى مقعدها ونظرت إلى يسارها فى إتجاه النافذة إلى العالم الذى لم يعد مألوفا. ه